لم يكن هناك تجل يفوق في طابعه الدراماتيكي في إطار الربيع العربي الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، غير أنه لم يكن واضحاً، حتى وقت قريب، ما إذا كانت الثورة ذات القاعدة الشعبية العريضة ستتعرض للتخريب، سواء بفعل انقلاب عسكري، أو نتيجة لعدم استعداد الحكومة الإسلامية المنتخبة للحكم بمقتضى أسلوب يتيح للقوى السياسية الأخرى فرصة المشاركة بالحياة العامة.

ومع ذلك، فإنه لا تزال هناك احتمالات قائمة لانحراف هذه الثورة عن مسارها، ولكن المؤسسة العسكرية المصرية والرئيس المصري الجديد د. محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، قد توصلا إلى ترتيب يمضي بالبلاد في اتجاه ديمقراطي من دون أن يؤدي-حتى الآن- إلى المساس بحقوق الأقليات، أو تقويض التزامات مصر الدولية. وعلى الرغم من أن التأثير الأميركي في المسيرة السياسية المصرية كان على الدوام محدوداً، فإن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تستحق التقدير لاستخدامها التأثير الذي تتمتع به على المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية للتنازل عن سلطاته.

دور فريد

مصر بلد كبير وتعد المعقل الثقافي للعالم العربي، وهي أيضاً تلعب دوراً جيوسياسياً فريداً، فعندما وقع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979، فإنه استبعد على الصعيد العملي إمكانية نشوب حرب شاملة أخرى في الشرق الأوسط. كما لعب خلفه حسني مبارك أيضاً دوراً يصفه المراقبون بأنه كان بناء على الساحة العالمية، ولكن في الداخل تولى رئاسة نظام فاسد ووحشي في بعض الأحيان، غض كل من الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين النظر غالباً عن انتهاكاته لحقوق الإنسان.

بعد تنحية مبارك، تولى المجلس العسكري الذي يتمتع بنفوذ فعلي السلطة، وأشرف المجلس على إجراء انتخابات برلمانية أسفرت عن حصول حزب الحرية العدالة الناطق باسم جماعة الإخوان المسلمين وغيره من الأحزاب الدينية على دور قيادي بارز، ولكن في وقت لاحق تم حل البرلمان بمقتضى حكم صادر عن المحكمة الدستورية العليا. ثم عقب وقت قصير من انتهاء التصويت في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، أصدر المجلس مرسوماً يخوله ممارسة حق الاعتراض في وجه إعلان الرئيس المصري للحرب، كما يخوله السيطرة على الميزانية ويكفل له الحصانة من الإشراف الرئاسي.

في معرض الاستجابة لهذه التحركات، حذرت إدارة الرئيس أوباما، التي تعرضت للانتقاد من الكونغرس لموافقتها على مواصلة المساعدات العسكرية لمصر، حذرت من أن القرارات المناهضة للديمقراطية من قبل العسكريين: «من الطبيعي أنها سيكون لها تأثير في طبيعة مشاركتنا» ومن المستحيل التأكد ما إذا كان هذا التحذير قد دفع العسكريين المصريين إلى تبني سياسة أكثر مرونة.

ولكن الحقيقة هي أن القادة العسكريين توصلوا إلى سلام مؤقت على الأقل مع القادة المنتخبين، ولم يقاوموا القرارات التي أصدرها د. محمد مرسي، والتي شملت إحالة المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الأعلى إلى التقاعد، وإلغاء العمل بالتعديل الدستوري المكمل الذي منح العسكريين سلطة واسعة النطاق في الشؤون التنفيذية.

ضغوط منتظرة

وفي ما يتعلق بالرئيس المصري الجديد فإنه يواصل التأكيد على أن مصر ستواصل العمل بالتزاماتها الدولية، بما في ذلك معاهدة السلام مع إسرائيل. وبعد قيام إرهابيين متشددين بقتل 16 جندياً مصرياً في سيناء قرب الحدود مع إسرائيل، أحال الرئيس المصري رئيس جهاز المخابرات إلى التقاعد وهو يقوم الآن بالتعاون مع المؤسسة العسكرية المصرية بالعمل مع الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءات جديدة لكبح جماح المتشددين في سيناء.

ربما تتمتع الولايات المتحدة الآن بتأثير في القادة المدنيين الجدد في مصر يقل عن ذلك الذي كانت تحظى به على المؤسسة العسكرية المصرية. ولكن عندما يزور د. محمد مرسي الولايات المتحدة قريباً، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما ينبغي أن يؤكد واقعاً يبدو أن د. مرسي نفسه يتمه، وقوامه أن مصر الجديدة لكي تزدهر ينبغي لها ألا تكتفي بتكوين ديمقراطية فحسب، وإنما أن تحترم الحقوق الفردية كذلك.

صراع متواصل

 

من المحتمل أن يستمر الصراع بين القادة العسكريين والمدنيين في مصر حتى بعد تبني دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية جديدة. وكما هي الحال في تركيا، فإن المؤسسة العسكرية في مصر تنظر إلى نفسها باعتبارها حارسة لكل من الأمن القومي والحداثة، كما أنها مندرجة بشكل كبير في الاقتصاد المصري، ولكن القادة العسكريين، حتى الآن على الأقل، يبدو أنهم قد تخلوا عن أي جهد لتقليل مكانة د. محمد مرسي إلى مستوى الرئيس الواجهة.