ينقص مؤتمرات أحزاب أميركا، مع كل بهرجتها المتجهة للإذهال والخداع، الوصف الدرامي الخيالي، كما في فيلم "أفضل رجل"، للممثل هنري فوندا وكليف روبرتسون عام 1964، والذي يدور حول قصة خداع بين مرشحين رئيسين لمنصب الرئاسة، تنتهي بخروجهما من السباق.

وما يثير الحزن هو أنه لم توجد فرصة لدراما مشابهة في تامبا بفلوريدا، حيث اجتمع الحزب الجمهوري. قاعة مؤتمرات تم تصميم إيقاعاتها، ومهمتها كانت اختيار ميت رومني كمرشح عن الحزب الجمهوري أمام أعضاء الحزب المهمين والداعمين الأثرياء له. وعلى مدى خمسة أيام، فإن 50 ألفا من المخلصين للحزب إلى جانب 15 الفا من الصحافيين تحركوا للوصول إلى ما يمكن اعتباره تحصيل حاصل.

وليس جوهر القصة هوية المرشح الذي سينافس أوباما في الخريف المقبل، بل مسألة مختلفة تتعلق بالهوية، وقد تكون اكثر حساسية. وما ظهر في المؤتمر تمثل في مسألة لا يستطيع حتى المرشح أن يتجاهلها، تتعلق بطبيعة حزبه وما يمثله اليوم.

أفكار مدمرة

وفي المؤتمرات السابقة، كان بإمكان المرشحين الوقوف بعيدا عن الأفكار المدمرة التي يروج لها الناشطون من الحزبين. لكن هذه المرة، فإن رومني لم يتح له هذا الترف، لأسباب ليس أقلها اختياره بول ريان زميلا له في الحملة. فبالنسبة لمرشح فاقد البريق كافح لتنشيط قاعدة الحزب التي تذهب اكثر من أي وقت مضى نحو اليمين تحت قيادة حزب الشاي، فإن رومني أمام خيارين كلاهما مر، فهو لا يستطيع أن يظهر كما لو أنه يتنصل بقوة من الجناح اليميني لحزبه، فيما خصومه السياسيون درسوا المؤتمر بتمعن للحصول على ذخيرة جديدة في سبيل تشويه سمعته.

والحقيقة هي أن المؤتمر في تامبا شكل نهاية مسار بدأ منذ دورة الانتخابات الرئاسية الماضية، مع صعود حزب الشاي والشخصية المسببة للخلاف سارة بالين، وهي حركة تأثيرها القوي داخل الحزب يبقى دون تراجع.

وكانت هناك إشارات لمسار شاق على رومني السير فيه، بين أهليته وقدرته على أن ينتخب من جهة وتلبية رغبات قاعدة الجمهوريين. والملاحظات النابية الأخيرة لمرشح مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميسوري تود آكن بشأن الاغتصاب أكدت هذه المصاعب.

ديناميكية كامنة

واذا كان هذا الخصام استبق انعقاد المؤتمر، فإن ما نوقش على الأرض في تامبا أكد الديناميكية المدمرة الكامنة في الحزب الجمهوري خلال هذه السنة الانتخابية. ومسودة البرنامج، التي غالبا ما كان يمكن التغاضي عنها بهدوء، هي في التداول قبل الاجتماع هذه السنة، ويكمن فيها عن عمد بعضا من القضايا المتفجرة في الأسابيع المقبلة للحملة. ويرى المراقبون أن البرنامج اقرب إلى وجهات نظر بول ريان منها لوجهات نظر رومني، بعدائه لحقوق الإنجاب والهجرة وتبنيه لوجهة نظر حزب الشاي المتشددة حول كل شيء من الأمن القومي إلى الضرائب.

وعلى الرغم من أنه يحتاج أن يأخذ شكله النهائي، يبدو من غير المرجح أن يتبنى الناشطون الجمهوريون، في اللحظة الأخيرة، رسالة اكثر ميلا ليمين الوسط.

وقيل ان ما يريد رومني التشديد عليه هو ان سجله كرجل أعمال، يذخر بمهارات لتحويل مسار الاقتصاد الأميركي. ومن نواح عدة فإن تاريخه السياسي كحاكم لولاية ماساتشوستس مكسو بالإنجازات ليس اقلها نسخته عن الرعاية الصحية بكفالة حكومية، والتي تشكل أمرا بغيضا لعدد كبير من جمهوره في فلوريدا. وحتى قضايا السياسة الاقتصادية، فإن اللجنة التي تصيغ البرنامج تنظر إلى الخلف تماما، بإنشاء لجنة للنظر في ربط الدولار بالذهب.

وهذا يترك رومني بفسحة أصغر للمناورة. وفيما خططه الضريبية ولهجته حول استحقاقات الرعاية قد تبهج قاعدة الحزب الجمهوري، إلا أنه يحتاج أيضا إلى أن يكون جذابا لمجموعة من الناخبين بدءا من النساء غير المتزوجات إلى الناخبين ذوي الأصول اللاتينية الميالين للديمقراطيين والناخبين الطاعنين في السن الخائفين من التعديلات المقترحة على "ميدكير".

توجهات يمينية

 

الأمر الطبيعي للمرشح الجمهوري ميت رومني يفترض أن يكون في السير بالحزب نحو التقرب من أرضية الوسط الأكثر أمنا. لكن الدلائل الأخيرة، وليس اقلها اختياره لبول ريان كنائب له في الحملة، تشير إلى أن هذا الأمر ليس على باله. وإذا كانت هناك من دلائل حول كيفية اتجاه رومني، فلقد تم تقديمها أخيرا بتعليقاته المرتجلة فيما كان يزور ولاية ميتشغان.

يقول مستشاروه إنه أشار بصورة ساخرة وفظة إلى الجدل بشأن مكان "مولد" أوباما المنطوي على مغالطات، بأنه لم يولد في هاواي، وإنما خارج أميركا، وتلقى رومني تعنيفا سريعا على ذلك من حملة أوباما.

ويصح القول، كقانون عام في السياسة إن الأحزاب تحصل على المرشحين والمؤتمرات التي تستحقها. ووقوع الجمهوريين في قبضة قاعدة مهتمة اكثر بتشدد أيديولوجيتها الضيقة بدلا من أهلية وقدرة مرشحها على الانتخاب، قد يكلفهم الانتخابات.