حرمت إثيوبيا، وإفريقيا ككل، بوفاة رئيس الوزراء الإثيوبي، ميليس زيناوي، من زعيم استثنائي. الجميع يعرفه منذ كان يخوض حرب العصابات في جبال تيغراي، شمالي إثيوبيا، ضد الحكومة الشيوعية السابقة في أديس أبابا. "الرفيق ميليس"، وهو الاسم الذي اتخذه في أيامه الأولى كثوري، تيمنا باسم زميل له قتل، وبزغ نجمه ليصبح الأول بين محاربين متعادلين استولوا على السلطة في عام 1991.

البداية الصارمة

كان صعود ميليس نتيجة حدة تفكيره، ففي تلك الأيام من القيادة الجماعية لـ "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي"، كان الأكثر قدرة على صياغة نظرية تربط سلطة الدولة بالهوية العرقية وبالسياسة الاقتصادية، جاعلاً الماركسية-اللينينية على صلة بمطالب النصر في حرب العصابات.

وكانت الصرامة الفكرية السمة المميزة لسنوات ميليس الطويلة في الحكم. وفي أول مؤتمر صحافي له في أديس أبابا، وردا على سؤال حول أهدافه، أعلن ميليس أنه يعتبر حكومته ناجحة إذا تمكن الإثيوبيون من تناول ثلاث وجبات في اليوم. سياساته الوطنية برمتها كانت تدور في اطار القضاء على الفقر. ونظراً لعدم اقتناعه بوصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فقد أحجم عن قبول قروض دولية إلى أن تمت تلبية شروطه، الأمر الذي أكسبه إعجاب كبير الاقتصاديين في البنك الدولي حينها جوزيف ستيغلتز. وعلى امتداد عقدين، كان مستعدا بشكل فريد للدخول في سجال مستدام مع صانعي السياسات والدبلوماسيين والعلماء من كل أنحاء العالم.

ونكسة ميليس الأكثر مرارة كانت اندلاع الحرب مع أريتريا خلال أعوام 1998-2000. وهو لم يدافع عن استقلال أريتيريا في عام 1991 فحسب، وإنما دفع أيضا نحو تخفيض كبير في عدد القوات المسلحة الإثيوبية، مما ترك البلاد غير مجهزة للحرب. وخلال القتال، فاز ميليس بهامش ضئيل في النزاع المرير داخل حكومته. ودعا منافسوه لتصعيد الحرب، حتى على حساب إفلاس إثيوبيا. ولقد عارض ميليس ذلك قائلاً إن مثل هذا النصر سيكون من دون فائدة. وبعد فترة وجيزة من فوز إثيوبيا عسكريا، انقسم الحزب الحاكم مجددا، حين رفض ميليس أن يدفع بها ما وراء مناطق الحدود المتنازع عليها.

لقد تمكن ميليس من البقاء بفطنته التكتيكية، فقد فهم اللعبة السياسية ولعبها دون تردد. وبعد فوزه السياسي، بدأ ميليس بشكل كامل في صياغة رؤيته الخاصة بـ"الدولة التنموية الديمقراطية". ولقد استفاد من نماذج مثل كوريا الجنوبية وتايوان ليناقش بأن الطريق نحو النمو الاقتصادي المتسارع يمر من خلال الدولة القوية لتشجيع الاستثمار وتوجيهه، وعبر غرس قيم العمل الشاق بين عامة الشعب.

ولقد جادل ميليس أن إثيوبيا، وبالتأكيد معظم أفريقيا، لا تنتج بضائع يمكنها المنافسة عالميا، ما عدا المعادن وبعض المنتجات مثل البن عالي الجودة والأزهار اليانعة. أما المواد الغذائية، فإنه يمكن زراعتها بثمن أرخص في الأميركتين، والسلع الصناعية تنتج بعشر السعر في الصين. واقتصادات عدم التدخل الحرة سوف ينتج عنها القضاء على القطاع المنتج، وهجرة العمالة الماهرة وإفقار الجماهير، وأصحاب المشاريع سيركزون على الدخول الريعية، مثل النفط والعقارات، والسريعة، مثل قطاع الاتصالات، أو معاملات الحكومة الفاسدة.

الإنجاز الكبير

ولقد قادت سياسات ميليس إلى نمو اقتصادي وصل نسبة تقرب 10% سنويا خلال معظم العقد الماضي، وهو معدل إذا ما استمر، سيحول احدى الدول الأكثر فقرا إلى دولة متوسطة الدخل. واليوم، فإن مشاريع البنية التحتية للبلاد تثير الإعجاب، والفساد عند معدلات متدنية والمساعدات تنفق بشكل جيد. وكثير من الاقتصاديين ينتقد ميليس لرفضه فتح قطاع المصارف والاتصالات ولمنعه ملكية الأراضي الخاصة. وجواب ميليس كان: "لم يحن الوقت بعد لذلك".

لكن لا يمكن إنكار العجز الديمقراطي لإثيوبيا. فبعد انتخابات 2005، أمر ميليس بقمع المعارضة ومرر قانون يحد من حرية الصحافة والمجتمع المدني. لم تقلقه الإدانات من قبل منظمات حقوق الإنسان. كان واثقا بأن سجله للنمو الاقتصادي والاستخدام الكفوء للمساعدات يعني بأن أي عقوبات أوروبية ستكون قصيرة الأجل. وأدرك أيضا أن أميركا تحتاج إلى تعاون إثيوبيا في وجه الإرهاب. وحساباته كانت صحيحة، فبعد توقف قصير، استؤنفت المساعدات والدعم الدبلوماسي.

 

 

إنجازات هشة

 

خلال العقد الماضي، برز رئيس وزراء إثيوبيا، ميليس زيناوي، بوصفه واحداً من اكثر القادة الأفريقيين نفوذا بصورة هادئة. ولقد تبوأ دورا قياديا في المناقشات حول التغيير المناخي لإفريقيا وحفظ السلام في السودان ومحاربة المتشددين في الصومال.

ورأى ميليس نفسه كبان للمؤسسات وكزعيم مثقف. وأراد لإرثه أن يكون الاستقرار والقضاء على الفقر، ورأى أن تعزيز تجربته العظيمة في تحويل إثيوبيا سيحتاج إلى عقد آخر من الزمن،

ولقد شجع جيلا جيدا من القادة، واستمالهم لتولي السلطة في انتخابات عام 2015، حيث كان يخطط للتنحي.

يترك ميليس إثيوبيا أقوى بكثير مما كانت عليه عند تقلده السلطة، لكن إنجازاته تبقى هشة، وقادة إثيوبيا الصاعدين يواجهون تحدي تولي مقاليد الحكم بعد رحيل معلمهم.