تشكل وفاة رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي بسن مبكرة نسبياً، عن 57 عاماً، ضربة خطيرة ليس فقط للبلاد التي أنقذها من شفا مجاعة دورية، وإنما أيضاً للقارة الإفريقية بأسرها وللمجتمع الدولي على نطاق أوسع.

كان ميليس بعيداً عن الكمال، وفي السنوات الأخيرة أصبح أقل تسامحاً تجاه المعارضة، وترأس انتهاكات حقوق الإنسان، لكن يشهد لصالحه تحويل بلاده من أفقر بلدان العالم إلى مكان من الازدهار المتواضع.

برز ميليس باعتباره الألمع بين مجموعة الثوريين الذي أسقطوا الرئيس الإثيوبي السابق منغستو هيلا مريام في عام 1991، وعلى مدى عقدين من الزمن، فإن هذا القائد الكاريزمي الذي بدأ ماركسياً على النمط الألباني تبنى الرأسمالية الموجهة التي جعلت إثيوبيا نموذجاً للنمو الاقتصادي. وأصبح أيضاً قيادياً مرشداً في الاتحاد الإفريقي، وكان واحداً من المفكرين الحاذقين في لجنة إفريقيا التي أسسها رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير.

21 عاماً من الحكم

وفي ظل حكم ميليس، تلقت إثيوبيا حوالي 4 مليارات دولار من المساعدات كل سنة، ونما اقتصادها بنسبة تقارب 10% في السنة على مدى عقد من الزمن، وتدفق الاستثمار الأجنبي إلى البلاد.

ولم تحظ كل أعماله باستحسان عالمي. فقد حافظ على سياسة الحزب الواحد في إثيوبيا، وفي أعقاب انتخابات 2005، قضى 200 شخص في تظاهرات في الشوارع، ولقد تم احتجاز عدد من منتقدي هذا السياسي الذي أحكم قبضته حتى على أصغر تفاصيل الحكم، وأخيراً، حاول السيطرة على كل ما كان يقال في الجوامع، خشية من تزايد تأثير ونفوذ المتشددين الإسلاميين.

وعندما تم الاعتراض سراً على عدم تسامحه تجاه المعارضة، ألمح ميليس إلى وجود وجهات نظر أكثر تشدداً داخل حزبه الحاكم كان عليه استرضاء أصحابها. والآن بعد رحيله، فإن كلاً من إثيوبيا وإفريقيا والعالم يترقب بخوف رؤية ما إذا كان هذا الأمر صحيحاً. ونبأ وفاته استقبل بهدوء من قبل مؤيديه، وبابتهاج من قبل من كانوا يدعونه بالدكتاتور، وبقلق من قبل أولئك الذين يجادلون بأنه كان القائد الإفريقي الأكثر قدرة ونفوذاً بين قادة إفريقيا في عصره. وبوفاته تم إسكات قائد طبع وجوده النشط على المسرح العالمي «صوت إفريقيا»، وإرثه سيخضع لكثير من الجدل المحتدم.

وتحت إدارته للحكم على مدى 21 عاماً، انتقلت إثيوبيا من اقتصاد زراعي إقطاعي بالأساس يعاني من الخراب بعد حرب أهلية إلى دولة صناعية ونجمة أداء بمعدلات نمو سنوية وصلت إلى أكثر من نسبة 10% في السنوات الأخيرة، وحل محل صورة الدولة الضحية السرمدية للمجاعة في القرن الإفريقي، دورها كدولة محببة للمانحين ومقصد للمستثمرين الأجانب الساعين إلى الاستفادة من النمو الاستثنائي للقارة.

وليجيس زيناوي، الرجل المشاكس من المرتفعات من أقلية «تيغراي» في إثيوبيا، تخلى عن دروسه في الطب للانضمام إلى الصراع المسلح ضد دكتاتورية «درغ» لمنغستو هيلا مريام، وفي الوقت الذي حان وقت طرد هذا الأخير في عام 1991، أصبح معروفاً باسمه الحربي. و«ميليس» كان قائداً لإحدى الفصائل الرئيسية المتمردة، وهي «جبهة تحرير شعب تيغراي»، وتولى السلطة بأجندة ثورية للتحديث السريع.

توقعات المستقبل

وعلى امتداد السنوات السبع الأخيرة، تلطخت سمعة ميليس باعتباره من «قادة النهضة» الذين احتفى بهم كل من رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، بسبب القمع المتزايد على الجبهة الداخلية. وأحزاب إثيوبيا في المعارضة انتهزوا انتخابات مفتوحة نسبياً في عام 2005، ليتقدموا بقوة في عدد الأصوات في العاصمة أديس أبابا. وعندما أظهرت النتائج فوزاً واضحاً للحزب الحاكم «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي»، قامت الحكومة بقمع التظاهرات الاحتجاجية بشدة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 200 شخص، وتم اعتقال ما يقرب من 30 ألف شخص، وكل زعماء المعارضة تقريباً أودعوا السجن.

وفي السنوات التي تلت ذلك، تم تكميم أفواه الصحافة وجرى التضييق على المنظمات غير الحكومية والاتحادات، في حين أن ملايين الإثيوبيين العاديين لم يتركوا إلا بخيار محدود، ألا وهو الانضمام إلى الحزب الحاكم في حال كانوا يرغبون في الحصول على المساعدات الغذائية أو المكرمات من الحكومة المركزية القوية.

ولقد رفض ميليس الاعتذار عن النهج العنيف قائلاً أخيراً إنه «للمرة الأولى في تاريخ إثيوبيا» تصل أوامر الحكومة إلى كل قرية في البلاد. وإلى جانب اعتقال الصحافيين أو نفيهم، كانت هناك مخاوف متصاعدة حول سلسلة من السدود الكبيرة لتوليد الكهرباء للمزارع التجارية التي تم تسليمها مساحات شاسعة من الأراضي. ومجموعات حقوق الإنسان قدمت عريضة إلى الحكومة في إثيوبيا لاستخدام فترة الانتقال لفتح فضاءات أوسع للديمقراطية.

يقول ليزلي ليفكاو من منظمة «هيومن رايتس واتش»: «قادة البلاد الجدد يجب أن يطمئنوا الإثيوبيين، من خلال البناء على إرث ميليس الإيجابي، فيما هم يعكسون سياسته الحكومية الأكثر ضرراً».

لكن، قلة من المحللين يتوقعون حالة من عدم الاستقرار سريعاً بعد رحيله البطيء. يقول شين: «المجتمع الإثيوبي لم يكن منفتحاً على امتداد ألفي سنة، ويمكن أن يستمر على هذا المنوال من دون أي ثورة كاملة». ومغادرة الحليف الأقوى لأميركا والشرطي الإقليمي ستثير قلق مراقبي القرن الإفريقي، فيما يجري نشر القوات الإثيوبية في السودان والصومال المجاورة، ويمكن أن يزيد التوتر مع أرتيريا التي حاربتها إثيوبيا في حرب منخفضة الحدة.

 

بديل صعب

 

يقول السفير الأميركي السابق إلى إثيوبيا ديفيد شين عن رئيس وزراء إثيوبيا الراحل، ميليس زيناوي: «من حيث قدراته الفكرية وكشخص سيكون من الصعب إيجاد بديل له». والمهمة المباشرة للقيام بذلك تقع على نائبه ووزير خارجيته هيلي ميريم ديسالجن، الذي كان يلعب دور رئيس الوزراء منذ أن ذهب ميليس في «إجازة مرضية» أخيراً، لكن يعتقد كثير من المراقبين أن الجنوبي ديسالجن يعمل على سد الفجوة إلى أن تقرر عصبة الشماليين والتيغراي التي أحاطت برئيس الوزراء الراحل الخطوة المقبلة.