جاء التوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين أميركا وأفغانستان، خلال شهر مايو الماضي، في فترة تشهد مزيدا من التوتر في الحرب في أفغانستان. كان كل من حلف شمالي الأطلسي «ناتو» وقوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان «إيساف» يعمل لتحويل مسؤولية أمن معظم البلاد إلى الحكومة الأفغانية، عندما أرست الاتفاقية ملامح علاقة طويلة الأمد وإطار للتعاون في المستقبل، متجاهلة ذكر التفاصيل الخاصة بشأن مستويات القوات والتمويل اللذين ستلتزم بهما أميركا ما بعد عام 2014.

وفي هذه الأثناء، يواصل متمردو طالبان شن هجمات متكررة ضد معالم بارزة على امتداد البلاد، ويغتالون طواقم دولية وأفغان على علاقة بحكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي. ولقد زالت الثقة بين أميركا والحكومات الأفغانية نتيجة لارتفاع الإصابات بين المدنيين الأفغان، وهجمات الجنود الأفغان على القوات الأميركية والدولية، والأخطاء المرتكبة من قبل الطواقم العسكرية، بما في ذلك حرق المصاحف في قاعدة عسكرية.

وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مدت يدها إلى طالبان وباكستان، على أمل تحقيق تسوية يجري التفاوض بشأنها، إلا أن استراتيجية الانتقال الأميركية ما زالت تعطي الأولوية للنشاط العسكري على الدبلوماسية.

وستواجه أفغانستان انتقالا سياسيا مترنحا، إذا لم تكرس أميركا وحلفاؤها لهذا الانتقال الدرجة نفسها من الاهتمام الذي منح للانتقال الأمني. وبحسب الدستور الأفغاني، فإن قرضاي مطالب بالتنحي بعد الانتخابات الرئاسية عام 2014.

وهذا المسار الانتخابي، يفترض أن يسهل قيام نظام سياسي أكثر شرعية وشمولا، لكن الأحزاب السياسية في البلاد تبقى ضعيفة ومهمشة، وسجل الناخبين غير صحيح، فيما تفتقر المؤسسات الانتخابية إلى ضمانات تحفظ استقلاليتها، والمشرعون لم يستعدوا لإمكانية تكرار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأفغانية التي اتسمت بالغش وزعزعت الاستقرار عامي 2009 و2010.

ومما يفاقم الأوضاع سوءا فقدان عامل الثقة بين أميركا وباكستان، فالبلدان لديهما رؤى متعارضة بشأن البنية والموقع السياسيين لأفغانستان في اطار الميزان الأمني الإقليمي، ويتمثل هدف أميركا في المحافظة على الاستقرار النسبي لأفغانستان، والحيلولة دون أن تصبح مجددا ملاذا لمجموعات إرهابية تشنه هجماتها عبر الحدود أو أن تزعزع باكستان المسلحة نوويا. لكن باكستان، تسعى إلى تعظيم نفوذها في أفغانستان، وإضعاف الهند من خلال دعمها لحركة طالبان.

 وعلى الرغم من رغبة كل من أميركا وباكستان في إقامة علاقات ودية، إلا أن خلافاتهما ما زالت تعقد جهود تشكيل أرضية مشتركة، حتى حول القضايا حيث هناك احتمال لتوافق مصالح البلدين، مثل قضايا مكافحة الإرهاب والأمن النووي.

وحماية الاستقرار في أفغانستان سيتطلب وجود بعض القوات الأميركية هناك إلى ما بعد عام 2014، لكن الحفاظ على المستوى الحالي من التورط العسكري الأجنبي إلى أجل غير مسمى لا يشكل خيارا. وفي هذا الإطار، تحتاج أميركا إلى العمل على تقليص استثماراتها العسكرية والمالية في أفغانستان، بالتزامن مع جهود حل الأبعاد السياسية الداخلية للصراع الأفغاني. فانسحاب غير منسق يهدد بانهيار قوات الأمن الأفغانية الضعيفة، وهذا بدوره يضعف الدولة الأفغانية.

ومثل هذا الانهيار سوف يشعل حمام دم جديد وتهجير واسع للسكان، ويترك مساحات من الأراضي غير محمية للمسلحين والإرهابيين، مما يقوض مصالح أميركا الاستراتيجية في المنطقة.

استراتيجية متزامنة

لقد راهن المجتمع الدولي في استراتيجيته الخاصة بالمرحلة الانتقالية في أفغانستان على قوة قوات الأمن والحكومة في كابول، لكن هذه الحكومة لديها عيوب كثيرة، والضعف الرئيسي الذي يكمن في البنية السياسية الأفغانية، إذا ما ترك دون معالجة، سيخفض احتمال قيام دولة مستقرة وآمنة ما بعد عام 2014.

وبالتالي، تحتاج أميركا إلى استراتيجية سياسية اكثر نشاطا في سبيل دعم عملية الانتقال، استراتيجية تضغط باتجاه تشكيل حكومة أفغانية اكثر شرعية، وبتسوية سياسية بين مجموعة واسعة من اللاعبين الأفغان خارج النظام الحالي، بما في ذلك عناصر من طالبان مستعدون للمشاركة في الحل السياسي، وتسوية إقليمية تشمل باكستان.

أولا، وفي سبيل المساعدة في الوصول إلى حكومة أفغانية اكثر شرعية، فان كلا من أميركا وشركائها يجب أن يضمنوا انتقالا رئاسيا سلسلا في عام 2014. وعلى المدى القصير، ستحتاج أميركا أن توضح، كما فعلت حتى الآن، بان تعهدها حسب اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لناحية الدعم مشروطة بتنازل قرضاي عن الحكم إلى خلف منتخب شرعيا.

وتسهيل انتقال ديمقراطي للسلطة يعمل على توسيع المشاركة السياسية يتطلب أيضا ضغطا من المجتمع الدولي لإجراء إصلاحات انتخابية مطلوبة بشدة قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2014 و2015، تتضمن بناء سجل وطني للناخبين يتمتع بمصداقية، والتزاما باستقلالية لجنة الانتخابات المستقلة ولجنة التظلمات الانتخابية وشفافيتهما، وكان مسار التسجيل المطول للأحزاب ونظام التصويت الواحد غير المنقول الذي يقدم للناخبين خيارا واحدا بين مئات المرشحين المحتملين على مقاعد البرلمان العديدة، قد أضعف صوت الناخبين في الانتخابات السابقة كما أعاق تشكيل أحزاب سياسية يمكنها أن تمثل المشهد السياسي المشاكس في أفغانستان.

وعلى المدى البعيد، ستحتاج أميركا إلى استخدام عضلاتها الدبلوماسية ،لدعم تشكيل ضوابط وتوازنات أقوى وغيرها من الإصلاحات التي تسمح بمشاركة مجموعات المعارضة على قدم المساواة. وهذا سيتطلب محاسبة الحكومة الأفغانية على التعهدات التي وعدت بها في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية وفي المؤتمرات الدولية.

وإلى جانب ذلك، يجب أن تدعم المساعدات المالية الأميركية الانتقال السياسي في أفغانستان، سعيا إلى ضمان عدم انهيار الدولة الأفغانية مع تضاؤل المساعدات الأجنبية وتراجع الاقتصاد، وهناك برامج ناجحة عدة بدأت في العقود الماضية تستحق دعما مستمرا في هذا المجال.

كما ينبغي أن تدعم واشنطن إدارة فرق في وزارات مهمة، وتحويل نسبة أعلى من مساعداتها من خلال الميزانية الأفغانية، بدلا من خلال متعهدين من الخارج، ومن ثم استخدام هذه المساعدات كرافعة ونفوذ لدفع الحكومة نحو اتخاذ إجراءات أقوى لمكافحة الفساد.

ثانيا، يجب أن تسهل أميركا التسوية السياسية بين الفصائل المتعارضة في أفغانستان. واي استراتيجية للمصالحة يجب أن تتضمن جهودا لمد اليد إلى حركة طالبان. ونجاح مثل هذا الجهد ليس مؤكدا، فحركة طالبان رفضت مرارا المباحثات مع الحكومة الأفغانية.

والجهود الأميركية لتنسيق عملية تبادل سجناء وصلت إلى طريق مسدود. ولقد اصر قرضاي على التحكم بالمفاوضات. وقادة التمرد والمجرمين الذي يستفيدون من استمرار الصراع في أفغانستان، إلى جانب الدول الإقليمية المجاورة، جعلوا التفاوض على تسوية اكثر صعوبة.

لكن حتى جهدا فاشلا في النهاية قد يحمل بعض الفوائد. فمن خلال تشجيع التفاوض، بإمكان أميركا أن تختبر نوايا اللاعبين المختلفين في أفغانستان وباكستان، وتبيان أي من ممثلي طالبان لديه السلطة للتحدث عن أي أقسام من الحركة، ولتوفير فهم افضل لرؤية قادة باكستان لمستقبل أفغانستان.

والملامح الرئيسية لتسوية سياسية مع طالبان كانت موضوعة منذ سنوات عدة. ينبغي أن تحترم طالبان الدستور الأفغاني، وتتخلى عن الصراع المسلح، وتقطع علاقاتها مع القاعدة، لكن التقدم في تشكيل مسار لتشغيل هذه المفاهيم في إطار اتفاقية كان محدودا جدا، وفي سبيل التوصل إلى تسوية ناجحة بحلول 2014، فإن هذا العمل يجب أن يؤخذ بجدية.

وكخطوة أولى يتوجب على المسؤولين الأميركيين أن يضاعفوا جهودهم لتشكيل خريطة طريق لمفاوضات تضم ليس فقط أميركا وخليطا من حركة طالبان وإدارة قرضاي، بل أيضا كل من لديه مصلحة في ذلك من أمثال البرلمان ومجموعات المعارضة المحلية ومنظمات المجتمع المدني.

ويجب أن تطرح واشنطن أيضا عددا من إجراءات بناء الثقة التي يمكن أن تدفع بمباحثات السلام. وإذا ما اخذ المتمردون خطوات إيجابية محددة مثل الدخول في حوار جدي مع إدارة قرضاي أو أوقفوا الاغتيالات، فان أميركا يمكنها أن تستجيب بدعم شطب شخصيات طالبان من اللائحة السوداء للأمم المتحدة.

ثالثا، لن يكون أي حل سياسي للصراع في أفغانستان دائما ما لم يشكل جزءا من تسوية إقليمية أوسع نطاقا. فلقد قوضت باكستان احتمالات سلام طويل الأمد في أفغانستان من خلال تزويدها ملاذا وتدريبا ودعما ماليا للتمرد، وذلك يعود جزئيا لمواجهة ما تخشى أن يكون نفوذا هنديا في البلاد.

ويجب أن يسعى المسؤولون الأميركيون إلى حوار صريح مع القيادة المدنية الباكستانية والمؤسسات الأمنية والدبلوماسية فيها لتبيان الدور الذي يمكن أن يلعبه كل منها في جهود المصالحة، ومن دون تلك المناقشات، من غير المرجح أن تستخدم باكستان نفوذها لجلب المجموعات المسلحة إلى طاولة المفاوضات. وبالطبع حكومة قرضاي يجب أن تكون طرفا من النقاش.

وحوار أوسع نطاقا مع المتمردين والباكستانيين سيوضح أي من المجموعات يمكن أن تكون على استعداد للدخول في المفاوضات واي منها غير قابل لعقد مصالحة وبالتالي يحتاج إلى أن يهزم بالقوة، ويجب أن تستخدم أميركا الجزرة والعصا لجعل باكستان تتحرك ضد هؤلاء المتمردين الذين على غير استعداد للتفاوض.

العلاقة مع باكستان

ومستقبل باكستان سيحدد الاستقرار في جنوب آسيا ككل، حتى اكثر من مستقبل أفغانستان، وبالتالي لديه التأثير الأقوى على الأمن القومي الأميركي. وأحد الأهداف المركزية للمهمة الأميركية في أفغانستان كانت في منع المزيد من زعزعة الاستقرار في باكستان.

لكن الصراع الأفغاني يضع ضغوطا هائلة على المجتمع الباكستاني وقيادته ويزيد الاحتكاك بين واشنطن وإسلام أباد مما يعقد قدرة أميركا على الدفع بمصالحها في العلاقة مع باكستان، وهذه المصالح هي ثلاثية: إزالة المجموعات الإرهابية عبر الحدود التي يمكن أن تهدد أميركا وحلفاءها، ومنع استخدام أو انتشار الأسلحة النووية للبلاد، ودعم عملية الانتقال إلى ديمقراطية ناضجة بقيادة مدنية.

وأميركا يمكن أن تميل إلى التصعيد في صراعها غير المباشر مع باكستان حول أفغانستان، وتقضي على أي مظاهر للتعاون معها. لكن إذا أخذنا في الاعتبار مرونة طالبان وعدم قدرة الحكومة الأفغانية على دعم نفسها، فإن مثل هذه القطيعة من غير المرجح أن تحقق الأهداف الأميركية في أفغانستان أيضا، بالتالي يتعين على أميركا محاولة تهدئة أي تصعيد في التوتر مع باكستان وإعادة التعاون الأمني والسياسي معها.

وتشجيع عملية انتقال باكستان إلى ديمقراطية ناضجة بقيادة مدنية، تستجيب بصورة أفضل لإرادة المواطنين وتوسع حكم القانون، وتبدأ في التعامل مع الأزمات الاقتصادية والعلاقات المدنية العسكرية المشحونة، يمكن أن يدعم الاستقرار في باكستان واستقرار علاقة هذه الأخيرة مع جيرانها، وهما هدفان مهمان للأمن القومي الأميركي في المنطقة.

باختصار، إن تحقيق المصالح الأميركية في أفغانستان بالتزامن مع تخفيض كلفة التورط الأميركي هناك يتطلب استراتيجية سياسية اكثر قوة، لكن نجاح هذه الاستراتيجية السياسية المقترحة ليس مؤكدا بعد.

 

مخاطر غياب الاستراتيجية السياسية

 

بالتزامن مع سحب جنودها، تسلح واشنطن القوات الأفغانية سواء النظامية أو غير النظامية، وتستهدف قادة المتمردين وغيرهم من المتطرفين في أفغانستان وباكستان.

ولقد حققت الحملات العسكرية نجاحات مهمة لا سيما في تفكيك تنظيم القاعدة وتدمير قيادته العليا في أفغانستان، محققة بذلك هدفا رئيسيا من أهداف الأمن القومي الأميركي، ولقد قامت أيضا بإضعاف متمردي طالبان وأعادت للحكومة الأفغانية السيطرة على أجزاء هامة من جنوب أفغانستان.

لكن بتركيزها على الأمن، لم تستخدم أميركا نفوذها بشكل كاف في الضغط على حكومة قرضاي لتشكيل دولة أفغانية تخضع لحكم القانون، ومستقرة بفعل الضوابط والتوازنات بين مختلف فروع الحكومة، وتحظى بتأييد انتخابات حرة ونزيهة نسبيا، وهذا الأمر ترك مستقبل أفغانستان ومصالح أميركا الأوسع في المنطقة في موضع الشك، ذلك أن عملية انتقال تركز أساسا على مستوى قوات الأمن الأفغانية وقدرتها لا يمكنها أن تتعامل بشكل مناسب مع عيوب الحكم، تلك التي كانت سببا في إبعاد مواطني أفغانستان عن إدارة قرضاي وأشعلت التمرد.

كذلك لا يمكن لاستراتيجية عسكرية على وجه الحصر، أن تهدئ الأحقاد الإقليمية أو تزيل مخاطر التمرد بالكامل. كما أن اعتماد الحكومة الأفغانية وقواتها الأمنية على مستويات كبيرة من المساعدة الدولية في المستقبل المنظور، وبصورة خاصة في ظل التقشف الدولي، يهدد بتقويض الاستراتيجية الحالية.

 

فقدان الثقة

 

يمكن أن تعمل أميركا على تصعيد صراعها غير المباشر مع باكستان حول أفغانستان في ظل فقدان الثقة بين الجانبين، وتقضي على أي مظاهر للتعاون بينهما، لكن إنهاء التعاون مع إسلام أباد سوف يقوض بشكل كبير المصالح الأميركية في تلك البلاد، ومع الأخذ في الاعتبار مرونة طالبان وعدم قدرة الحكومة الأفغانية على دعم نفسها، فإن مثل هذه القطيعة من غير المرجح أن تحقق الأهداف الأميركية في أفغانستان أيضا.

بالتالي يتعين على أميركا محاولة تهدئة أي تصعيد في التوتر مع باكستان وإعادة التعاون الأمني والسياسي معها، وأن تحافظ واشنطن على القدرة على التصرف من جانب واحد في الحالات التي يتهدد فيها الأمن الأميركي بشكل مباشر، أو حين يفشل تجديد اتفاق التعاون مع إسلام أباد. لكن هذا النهج سيبرهن على انه مكلف جدا لأميركا وباكستان إذا تواصل تطبيقه على المدى الطويل.