بعض الحروب لا تنتهي، فالقوات الروسية، البلشفية والسوفييتية- مضت تحارب في شمال القوقاز على امتداد ثلاثة قرون، والصراع لا يزال يقاوم في عناد أي محاولة من قبل الكرملين لإعلان انتهاء مهمته هناك. وأي ثقة تلك التي يمكن أن تتوافر لدى أي شخص بأن الحرب الأهلية في سوريا وهي أرض تمتلئ بالدرجة ذاتها من الصراعات القديمة والندوب العتيقة، ستصل إلى نهاية محددة من قبيل طرد الرئيس السوري بشار الأسد وتشكيل حكومة تلتزم بانتخابات حرة ومصالحة وطنية وإعادة إعمار للبلاد؟ في الوقت الراهن لا يوجد إلا قليل من هذه الثقة.
نقطة تحول
وتشكل المعركة المندلعة في حلب دليلا على هذا التصور. فالمدينة السورية الثانية هي مدينة أساسية، وتشكل بإجماع الكل، نظريا على الأقل، نقطة تحول تم السعي إليها بمزيد من اليأس في صراع أودى بحياة 19 ألف قتيل حتى الآن. ومن الناحية العملية فإن هذا المفهوم يبرهن على أنه مفهوم مراوغ ، فالنظام السوري يسيطر على غربي المدينة والمليشيات التي تضم الجيش السوري الحر تسيطر على شرقها، والنظام لم يحشد القوات إلا في جبهة واحدة هي منطقة صلاح الدين الواقعة في الجنوب الغربي، وهو متردد في الدفع بباقي مشاته، واختار بدلا من ذلك أن يقصف المدينة بالمدفعية والطيران.
وهناك نظريات تدور حول السر في أنه لم تكن هناك محاولات جادة لإعادة انتزاع المدينة. وإحدى هذه النظريات تدور حول التخوف من عمليات الفرار إذا ابتعدت الوحدات عن ضباطها، ولكن من الناحية النظرية فإن النصف الشرقي من حلب الذي يسيطر عليه حوالي 4000 مقاتل من المعارضة فحسب، ينبغي أن يكون انتزاعه أمرا يسيرا بالنسبة لجيش جيد التسليح.
ومن منظور المعارضة فإن القتال لا يسير بصورة جيدة كذلك ، فكما يقر المعارضون صراحة ، فإن وجودهم يعارضه جانب كبير من سكان المدينة ، وهؤلاء المقاتلون لا ينظر إليهم في حلب كمحررين ، وإنما باعتبارهم جالبين لمعاناة رهيبة لا تزال تنتظر المدينة. والجيش السوري الحر يقع بين الجانبين، ورجاله ليسوا مسلحين جيدا بحيث يمكنهم إسقاط طائرات الأسد الحربية ، وإنما ظاهرون بما فيه الكفاية بحيث يجتذبون القصف الجوي من جانب النظام.
استراتيجية هادفة
والطائرات الحربية التابعة للأسد تستخدم كذلك قنابل أكبر في قصف المناطق المدنية، وإذا كانت هذه استراتيجية مقصودة من جانب النظام والتي أسفرت عن ملء المدينة بحفر ذات قطر كبير، فإنها لربما تحدث تأثيرها ، حيث يلقي أبناء حلب باللوم على الجيش السوري الحر عن العمليات العسكرية التي تدور هناك، وليس على دمشق عن ردها الوحشي.
أيا كان السبب، فإن رجال المعارضة حسبما يقرون لا يحصلون على الدعم في المدينة على نحو ما يحصلون عليه في الريف، وليس هذا مجرد دالة على التكوين السكاني لحلب فحسب، فالتأييد الذي يحظى به الجيش السوري الحر في دمشق يعتمد أيضا على ما إذا كان المعارضون هم من أبناء المدينة من عدمه.
وهذا ربما يتغير، وقد يكون راجعا بشكل أكبر إلى بلقنة المجتمع السوري أكثر مما هو راجع لأي تعاطف باق مع الأسد، وهو التعاطف الذي من المؤكد أنه تبخر بالفعل. وإذا كان المجال المتاح للاحتجاج غير العنيف قد انكمش على الرغم من أنه لا تزال هناك جماعات معارضة تتشبث بهذا الأمل، فإن الطريق إلى الأمام بالنسبة للثورة المسلحة لا يمكن إلا أن يكون طريقا طويلا ومريرا، فعلى الرغم من عمليات الفرار ذات المستوى المرتفع من الجيش السوري ومصرع اربعة من كبار القادة العسكريين والأمنيين السوريين في انفجار مدو في دمشق خلال الشهر الماضي، فإن جيش الأسد لا يزال سليما ولا يعاني نقصا في الخيارات المتاحة أمامه.
ويتمثل أحد هذه الخيارات في تحويل سوريا إلى لبنان آخر ، وقد سحب الأسد قواته من المناطق الكردية من سوريا وتزعم تركيا أنه قد دعا الحزب العمالي الكردستاني إلى العودة إلى سوريا ، وقد ألقت تركيا بمسؤولية هجوم بسيارة مفخخة على مخفر للشرطة قرب حدودها الجنوبية الشرقية، على حزب العمال الكردستاني والمخابرات السورية.
ويتمثل مؤشر آخر على الأمور التي يحملها المستقبل بين طياته في التفجير الذي حدث في عزاز على بعد كيلومترات قليلة من الحدود، والذي أسفر عن مصرع 40 مدنيا، والأسد يبذل قصارى جهده في استفزاز الأتراك ليتوغلوا في داخل الأراضي السورية.
قتال عرقي
اندلعت معارك بالمدفعية بين مجموعات متنافسة في طرابلس، ثاني مدن لبنان ،مع تزايد المخاوف من العدوى، واحتمالات تصدير الفوضى قائمة ، حيث تنتشر عناصر معروفة بمناصرتها للأسد.
ومن الجماعات العرقية التي تهرب من البلاد الشركس السوريون وهم جزء من "دياسبورا" تم إيجادها عندما قامت القوات الروسية بطردهم من شمال القوقاز في إطار ما يقول الشركس إنها كانت مذبحة رهيبة. وسيقوم العالم بصورة حرفية بالتزلج على قبور أسلافهم في أولمبياد سوتشي الشتوي عام 2014. وكان تاريخ طردهم من شمال القوقاز هو 21 مايو
