يغيب هدير الحرب، كما يغيب صوت كل شيء آخر أيضا، وعندما يكف النسيم الخفيف عن الهبوب فإنه ما من شيء يتحرك حتى المصاريع التي تغطي واجهات المحلات. ولا يرتفع الأذان من مسجد وسط حلب، وهو المسجد الذي لا يزال مفتوحا أمام المصلين الذين اختفوا تماما، ومن هنا فإنه يبدو مهجورا. وتتراكم على أرضيته أكوام من الزجاج المهشم، ويبدو سوق المدينة خاويا، ومتاجرها مجردة من كل شيء إلا أحجار الجدران.

تأثير فعلي

في مختلف أرجاء حلب تلوح للعيان آثار القصف، وتبدو الثغرات التي أحدثتها القذائف والتي تعود إلى المعارك التي دفعت الأطفال والنساء إلى الهرب، وجعلت الرجال يحذون حذوهم في نهاية المطاف. ولكن التأثير الفعلي أشد فظاعة مما توحي به هذه الكلمات. وتمتد شوارع طويلة حافلة بالبيوت التي تظل سليمة في غالبها ولكن يبدو بوضوح أنه لا يمكن توقع أن يكون أحد مقيما فيها على الإطلاق.

كانت منطقة عندان إحدى ينابيع الانتفاضة في محافظة حلب، التي وصلت إلى ذروتها في سيطرة المعارضة السورية على نصف المدينة القديمة، وكانت ساحة لمعركة رهيبة في يونيو الماضي بين المعارضة، وعلى رأسها الجيش السوري الحر، والتي تتألف في غالبها من الرجال المحليين، وقوات الحكومة السورية الفارة، وذلك قبل أن يتم طرد دبابات النظام من هناك.

منذ ذلك الحين تم قصف عندان من قواعد في النصف الشمالي من حلب، كما قصفت بالقنابل جوا، وفي وقت سابق من الشهر الجاري كشفت منظمة العفو الدولية عن صور ملتقطة بالأقمار الصناعية لـ 600 حفرة أحدثتها القذائف في المدينة وحولها. وعلى الرغم من أن كثيرا من هذه القذائف لم تصب أهدافها، فإن التأثير الذي نجم عنها هو دفع عشرات الألوف من الناس إلى الذهاب إلى مراكز اللاجئين على الحدود مع تركيا، التي هرب إليها 70 الف سوري بالفعل، أو إلى قرى وبلدات أخرى.

في بعض الأركان بقيت أعداد قليلة من الرجال ينتمون غالبا إلى الجيش السوري الحر، جنبا إلى جنب مع عدد قليل من مؤيديهم، وذلك من إجمالي عدد سكان عندان الذي يتراوح بين 20 ـ 30 ألف نسمة.

وسائل مواصلات مهمة

ويقول مازن عفاش (23 عاما) وهو واحد منهم: "لم تبق هنا إلا ست عائلات من إجمالي 2000 نسمة". كان يقف في حانوت إصلاح الدراجات الخاص به، والذي اكتسب أهمية كبيرة من تحول الدراجات إلى شكل مهم من أشكال المواصلات لقوات المعارضة في المناطق الريفية.

ويضيف: "لقد رحلت عائلتي والنسوة هنا رحلن غالبا إلى مارتا، وهي قرية على بعد 6 كيلومترات، حيث أن القرى الأصغر أقل تعرضا للخطر من البلدات".

وهو محق في هذا، ففي غضون الأسبوعين الماضيين، أضيف خطر جديد إلى القصف بالقنابل أو الهجمات العرضية من قبل قوات المشاة التي أصبحت الآن مقيدة بفعل الحصار المضروب على مدينة حلب. وكانت الهجمات بالطائرات المقاتلة قد استخدمت بشكل عفوي في الماضي، وهي تستخدم حاليا لإدخال الرهبة في نفوس قوات المعارضة ومؤيديها على امتداد محافظة حلب.

وقد أسفرت ضربة مزدوجة على المناطق السكنية في منطقة أعزاز القريبة أخيرا عن مصرع 50 مدنيا، وهو يعد أسوأ هجوم مفرد من هذا النوع على امتداد الحرب حتى الآن. ولكن بلدات أخرى تعاني من هجمات جوية عشوائية وغير عقلانية فيما يبدو، حيث يتم إلقاء قنبلة أو اثنيتن في المرة الواحدة. وهو هجوم ليس من الكثافة ولا من الدقة بحيث يحقق أي هدف عسكري إضافي، وكل ما يسفر عنه هو إفزاع السكان المحليين.

وقد سقطت قنبلة واحدة دونما ضرر فيما يبدو على الريف خارج عندان في صبيحة اليوم الذي زارت «ديلي تلغراف» البلدة خلاله، وسقطت قنبلة أخرى في حقل قرب مسبح قريب يستخدمه الشبان المحليون، ولكنه كان خاويا في ذلك الوقت، وجرى استهداف بلدة تل رفعت عبر هجمات جوية متكررة.

يقول مصطفى قاسم (20 عاما)، وهو أحد رجال الجيش السوري الحر والذي يحرس ميدانا في بلدة عندان: أبو جمعة رجل قوي وهو يقاتل من أجلنا. إنه منا، وقد كان شهيرا بعسله في الماضي، ونحن نحترمه ونقدره، فهو رجل ورع".

ومن أبناء عندان أيضا ابن عم أبي جمعة، وهو عبد الرحمن السلامة الذي يقود كتيبة في "جبهة النصرة"، وهي جماعة إسلامية أكثر تشددا تنفي التقارير المتواترة عن أنها حليفة لتنظيم القاعدة.

وعندان هي مسقط رأس القائد السياسي لوحدة المعارضين الرئيسية التي تقاتل في حلب، وهي "لواء التوحيد" ، وهذا الاسم له، كما يبدو واضحا، معنيان، أحدهما ديني والآخر علماني، وقد كان عبد العزيز السلامة، الملقب بأبي جمعة، يعمل تاجرا للعسل قبل انطلاق الانتفاضة.

وربما قصد النظام السوري بالتكتيكات التي اتبعها في المنطقة تخويف محافظة حلب ومن ثم إخضاعها، وهو الأسلوب نفسه الذي استخدمه حافظ الأسد بنجاح طويلا، ولكن هذا الأسلوب ربما كان قد أسفر في نهاية المطاف عن إطلاق تيار مضاد ديني في المقام الأول لا تنقصه الشجاعة إلى حد التهور.

من قلب الصمت المهيمن على بلدة عندان انبعث هدير مفاجئ . لم تكن هناك دبابات تابعة للنظام على مسيرة أميال، لكن مدفع دبابة برز فجأة في الميدان، وتقافزت على الطريق دبابة روسية من طراز تي-55 غنمها مقاتلو المعارضة، يندفع دخان أسود من أحد أركانها، وتمضي إلى الأمام بصعوبة على جنزيرها الذي أعيد إصلاحه.

تلك الدبابة لن يقدر لها أن تحرر دمشق، ولكن طائرات الميغ التابعة للنظام السوري لن تروض حلب أيضا، ومن ثم يتوقع المراقبون مزيدا من الاستنزاف، مزيدا من القتال، ومزيدا من مدن الأشباح قبل أن ينتهي هذا كله.

 

شعور متبادل

 

لا يتعاطف النظام السوري كثيرا مع منطقة حلب، وهو شعور متبادل، فهذه البلدات سبق لها أن شاركت في انتفاضة الإخوان المسلمين ضد الرئيس السوري السابق حافظ الأسد في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، وفقدت الكثير من تلك العائلات رجالها في القمع الدموي للانتفاضة.

وكل هجوم من الهجمات التي تشن على المناطق الشمالية يليه فيض جديد من الواصلين إلى مخيمات اللاجئين على الحدود مع تركيا، حيث يتم نقل النساء والأطفال بمركبات المزارع ومعهم القليل مما يمتلكونه من متاع تم تجهيزه على عجل، وتملأ مثل هذه المركبات الدرب الضيقة في ريف المنطقة.