تقوم فكرة الجدارة السياسية على وجود نظام سياسي يجري تصميمه بهدف اختيار قادة سياسيين بقدرات تتجاوز القدرات العادية، من أجل إطلاق أحكام سياسية مستنيرة بالأخلاق، بمعنى أن الجدارة السياسية تمتاز بعنصرين مهمين هما: أولا القادة الذين يمتلكون مقدرة وفضيلة ما فوق معدل الوسط، وثانيا أن تكون آلية الاختيار مصممة لاختيار مثل هؤلاء القادة.

ولقد تم حجب الجدارة السياسية إلى حد كبير عن التنظير السياسي في العالم، لكن هناك ثلاثة أسباب هامة لإعادة إحياء هذا المثال السياسي، لاسيما في السياق الصيني. أولا، الجدارة السياسية تبقى مركزية في الثقافة السياسية الصينية. ثانيا، الديمقراطية نظام سياسي تتخلله العيوب والجدارة يمكنها أن تساعد في تصحيح بعض من هذه العيوب. ثالثا، الحزب الشيوعي الصيني نفسه أصبح منظمة تمتاز بمزيد من الجدارة على مدى العقود الثلاثة الأخيرة.

مفهوم يواصل الصمود

1 - الجدارة السياسية والثقافة السياسية في الصين

يعد نظام الحكم القائم على الجدارة مفهوما رئيسيا في تاريخ الثقافة السياسية في الصين، وهذه الفكرة بزغت في أعقاب تفكك النظام الأرستقراطي القديم، ولقد ناقش المفكرون السياسيون تعريف الجدارة وكيفية تطوير ممارسات سياسية ومؤسسات قائمة على الجدارة والأفضلية. بالنسبة لكونفوشيوس، فإن الجدارة السياسية تبدأ من افتراض أن الجميع يجب أن يتلقى تعليما، لكن، ليس الجميع سيخرج من هذا المسار بقدرات متساوية لإصدار أحكام سياسية مستنيرة بالأخلاق.

بالتالي، فإن مهمة رئيسية للنظام السياسي تكمن في اختيار القادة أصحاب القدرات فوق العادية، وفي تشجيع أكبر قدر من أصحاب المواهب للمشاركة في العمل السياسي. ومثل هؤلاء الحكام، بنظر كونفوشيوس، يكسبون ثقة الناس.

وفي ظل الصين الإمبراطورية، تمت مأسسة الجدارة السياسية عن طريق نظام الاختبار الإمبراطوري، وبمعزل عن عيوب هذا النظام، فلقد قدم معيارا شكل الحد الأدنى لعملية اختيار المواهب وسمح بمستوى محدود من التداول الاجتماعي.

وفكرة الجدارة السياسية تعد أيضا مركزية بالنسبة للنظرية وممارسة السياسيين في الغرب. وقد دافع أفلاطون عن مثال سياسي يتمتع بالجدارة في كتاب «الجمهورية». والمؤسسون الأولون لأميركا و»النخب الليبرالية» في القرن التاسع عشر، أمثال جون ستيورات ميل والكسيس دو توكوفيل، وضعوا الأفكار السياسية التي حاولت الجمع بين الجدارة والديمقراطية. لكن التنظير للحكم القائم على الجدارة اضمحل من الخطاب السياسي الغربي المعاصر.

2 -  الديمقراطية والجدارة

انتهاء السجالات حول الجدارة السياسية ليس أمراً إشكاليا لو كان هناك اتفاق واسع حول أفضلية الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي أو كالنظام السياسي الأقل سوءا، كما وصفه رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل. لكن هناك شكوكا متزايدة حول هذه الفكرة. و»أزمة القدرة على الحكم» في الديمقراطيات الغربية التي سببها التدفق المعولم غير المسبوق للسلع والخدمات والرساميل جرى توثيقه بشكل جيد من قبل خبراء العلوم السياسية، حيث تبين أن المصالح الرأسمالية لها قوة غير متناسبة في المسار السياسي، لاسيما النظام السياسي الأميركي الذي وصف وربما بشكل يميل إلى الإنصاف ب «دولار واحد مقابل صوت واحد» بدلا من «شخص واحد مقابل صوت واحد».

ولقد طرح المنظرون السياسيون تساؤلات حول النظام الانتخابي الديمقراطي نفسه. وهناك بعض القضايا حيث السعي لمصالح اقتصادية ضيقة في صناديق الاقتراع يمكن أن يؤدي إلى تبعات كارثية على غير الناخبين الذي يفتقرون إلى التمثيل، مثل قضية الاحتباس الحراري.

ولقد دعا كل من باي تونغدونغ وجوزف تشان لنماذج تأخذ شكل نظام سياسي مهجن تجمع عناصر من الديمقراطية والجدارة، في ظل مجالس حكومية تتألف من قادة مختارين بوسائل مثل الاختبارات والقدرة على الأداء عند المستويات الدنيا.

وهذه النماذج تشكل معيارا جديدا وأفضل لتقييم التقدم السياسي في الصين وغيرها من الدول، بدلا من إطلاق الحكم على التقدم السياسي من خلال السؤال عما إذا كانت الصين ستصبح اكثر ديمقراطية.

تجربة ممتدة

 3 -  الجدارة والحزب الشيوعي الصيني

في أيامها الأولى، كانت المهمة الأساسية للصين الشيوعية في عهد ماو تسي تونغ تتمثل في مكافأة قوى الثورة وتأمين القوة العسكرية للدولة لإنهاء استغلال القوى الأجنبية. لكن الآن، أصبحت الصين معنية أقل حيال الأمن منها حيال المجتمع السياسي، بعد تأسيس دولة قوية وآمنة نسبيا تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني. بالتالي، فقد تحول التركيز نحو مهام الحكم الصالح الذي يقاد من قبل قادة قادرين خلوقين، وأصبحت آليات الاختيار والترقي للحزب الشيوعي الصيني قائمة أكثر على الجدارة.

وفي ثمانينات القرن الماضي، لم يكن الطلاب الموهوبون في أهم الجامعات الصينية يسعون إلى الانتماء إلى الحزب الشيوعي. لكن اليوم أصبحت الجامعات الموقع الرئيسي لجهود استيعاب الكوادر. وفي مدارس النخبة مثل جامعة تسنغهوا، كانت نسبة 28 % من الطلاب الجامعيين و43 % من الخريجين و55 % من طلاب الدراسات العليا أعضاء في الحزب عام 2010، حسب الإحصاءات الحكومية. ويستهدف الحزب أيضا «الشرائح الاجتماعية الجديدة» من المهنيين الشبان في المناطق الحضرية، بما في ذلك رجال الأعمال والمديرين في الشركات الخاصة والمحامين والمحاسبين.

ونظام الترقي للكوادر أصبح أكثر صراحة في استناده إلى الجدارة. ويعد الالتصاق الوثيق بالناس أمرا مهما بشكل خاص عند المستويات الدنيا، وبهذا المعنى، فإن الديمقراطية قد تكون اكثر أهمية على المستويات الدنيا. لكن على المستويات العليا، فان التركيز الأكبر ينصب على العقلانية والمنطق، على الرغم من أن فضائل أخرى مثل الاهتمام بالشعب والسلوك العملي تعد أيضا ذات أهمية.

4  ـ  تطوير مبدأ الجدارة

  وفوائد الجدارة «القائمة فعلا» في الحزب الشيوعي الصيني واضحة. فالكوادر يمرون بمسار مرهق من اختيار المواهب، وفقط أولئك الذين لديهم سجلا ممتازا في الأداء يتمكنون على الأرجح من الوصول لأعلى مستويات الحكومة. ومسار التدريب يتضمن غرس الفضائل، مثل التعاطف مع الفئات المحرومة، وذلك بقضاء فترات محدودة من العمل في المناطق الريفية الفقيرة.

وهذا النوع من الاختيار القائم على الجدارة يعمل على الأرجح في إطار دولة الحزب الواحد فقط. أما في دولة متعددة الأحزاب، فليس هناك ما يضمن مكافأة الأداء على المستويات الأدنى من الحكومة، ولا يوجد حافز قوي لتدريب الكوادر لتكتسب خبرة على المستويات الأعلى، لأن الموظفين الأساسيين يمكن أن يتغيروا من قبل حكومة تقودها أحزاب مختلفة، والقادة السياسيون على الأرجح سيتخذون قرارات متأثرة باعتبارات سياسية قصيرة الأجل تؤثر على فرص إعادة انتخابهم.

والافتراض القائم على أن الممسكين بالسلطة الحقيقيين في الديمقراطيات على الطريقة الغربية مختارون من قبل الشعب في انتخابات، معناه أن «البيروقراطيين» في معظم الأحيان ليسوا مهمين بنظر عامة الناس، وهذا الأمر يؤدي إلى توجه مواهب أقل نحو البيروقراطية.

والجدارة على الطريقة الصينية قد لا تكون قابلة للتعميم، لأنها يحتمل أن تكون مستقرة في ظل ثقافة سياسية تثمن الجدارة السياسية فقط.

تساؤلات تفرض نفسها

هذا ما يطرح التساؤلات التالية:

أولا: هل يؤثر نقص الشفافية في مسار اختيار المواهب سلبيا على شرعية الحكومة؟ إذا كان الناس غير واعين لمسار الاختيار، فإنهم قد يرتابون من عمليات الترقيات باعتقاد أنها قائمة أساسا على الولاء والمعارف والفساد. لكن تسليط الضوء على الآلية الفعلية للترقية يساعد في تبديد تلك الشكوك.

ثانيا:هل تحدّ القيود المفروضة على حرية التعبير، لا سيما على الخطاب السياسي، من اتخاذ القرارات القائمة على الجدارة؟ تحتاج القرارات السياسية إلى توفر المعلومات كاملة، لكن الخوف من التبعات السلبية يمكن أن يمنع أصحاب المصلحة من التعبير عن وجهة نظرهم. ويجري الحزب الشيوعي استطلاعا داخليا للحصول على أكبر قدر من المعلومات، كما يجري تشجيع الكوادر للتعلم والتطور بشكل مستمر، لكن حواجز أقل لحرية التعبير يمكن أن تحسن جودة اتخاذ القرارات.

إحباط المخاطرة

ثالثا:هل مسار اختيار المواهب الطويل والصارم يحبط المخاطرة؟ هناك احتمال أن يجري اجتثاث عقول خلاقة ومبدعة في مرحلة باكرة نسبيا لأنها تحدت «الطريقة المتبعة». في أوقات الشدة، قد يسمح النظام الصيني بتغيرات مهمة، لكن في الأوقات العادية، قد يكون هناك تعلق غير ضروري بالوضع القائم حتى بعد فترة طويلة من تخطي فائدته العملية. وهذه المشكلة يمكن معالجتها بالاحتفاظ بمنصب أو منصبين في مواقع حكومية مهمة لمواهب من مناح أخرى في الحياة، كرجال الأعمال والاكاديميين.

رابعا: هل مسار اختيار القيادة متحيز ضد النساء؟ المسار يبدو مستهلكا للوقت بحيث يصعب أن يتماشى مع الحياة العائلية العادية، وهذا الأمر مهم إذا كان هناك توافق على أن القادة يجب أن يتحلوا بالعطف التي هي صفة نسائية في الأساس، فانه يجب تشجيع المزيد من النساء في الحكومة، ربما بمنحهن نصف المناصب الحكومية على المستويات الأعلى.

خامسا: هل مسار اختيار القادة يعطي وقتا كافيا للنظر في القضايا العرقية والسياسية بشكل منهجي؟ إذا تم تشجيع القادة السياسيين لأخذ إجازة ستة أشهر، مع واجبات محدودة عدا قراءة الأعمال العظيمة لاسيما كلاسيكيات كونفوشيوس، فان التأثير طويل الأمد على القدرة على اتخاذ أحكام سياسية مستنيرة سيكون إيجابيا على الأرجح.

سادسا:هل هناك حاجة للمزيد من الانكشاف على العالم في عملية الاختيار؟ الصين الأن قوة دولية عظمى، وما تقوم به يؤثر أيضا على مصالح الشعوب التي تعيش خارجها، وتحتاج أن تكون إنسانية قدر المستطاع في تعاملاتها مع الدول الأخرى. ويوجد دلائل جيدة في هذا السياق، حيث يجري تدريس القادة الحكوميين في الخارج، فلا شيء يأخذ مكان الانفتاح الشخصي على طرق الأخرين. ربما المسار اختيار القادة الحكوميين على المستويات العليا يمكنه أيضا أن يثمن الخبرة في الخارج ومهارات إتقان اللغات الأجنبية.

سابعا: هل يمكن للحزب الشيوعي الصيني النظر في تغيير اسمه، بحيث يتماشى بشكل أفضل مع الحقائق المؤسساتية للمنظمة؟ المنظمة لم تعد شيوعية، والحزب ليس حزبا سياسيا بين مجموعة أحزاب، إنه منظمة تعددية تتألف من مجموعات وطبقات مختلفة تمثل البلاد، وبدرجة أقل العالم، واسم مناسب قد يكون الاتحاد الصيني القائم على الجدارة.

 جمع الديمقراطية بالجدارة السياسية

يطرح المنظرون السياسيون تساؤلات حول النظام الانتخابي الديمقراطي. فجانب من المشكلة يكمن في أن الناخبين هم منشغلون بشكل أناني بمصالحهم المادية الضيقة، ويتجاهلون مصالح الأجيال المقبلة ومن يعيش خارج حدودهم الوطنية.

وبالتأكيد هناك بعد القضايا حيث السعي لمصالح اقتصادية ضيقة في صناديق الاقتراع يمكن أن يؤدي إلى تبعات كارثية على غير الناخبين الذي يفتقرون إلى التمثيل، على سبيل المثال قضية الاحتباس الحراري.

ولقد دعا باي تونغدونغ وجوزيف تشان لنماذج تأخذ شكل نظام سياسي مهجن تجمع عناصر من الديمقراطية والجدارة، في ظل مجالس حكومية قائمة على الجدارة وتتألف من قادة مختارين بوسائل مثل الاختبارات والقدرة على الأداء عند المستويات الدنيا.

وهذه النماذج قد تعد «يوتوبيا»، لكنها تشكل معيارا جديدا وأفضل لتقييم التقدم السياسي في الصين وغيرها من الدول، وبدلا من إطلاق الحكم على التقدم السياسي من خلال السؤال عما إذا كانت الصين ستصبح اكثر ديمقراطية، فان المعيار الجديد يؤمن طريقة اشمل لإطلاق الأحكام حول التقدم والتراجع السياسي، والسؤال هو عما إذا كان النظام السياسي في الصين قد أصبح اكثر جدارة. وهنا يوجد أساس للتفاؤل.

 الآسيويون يقدرون الجدارة السياسية

تظهر الاستطلاعات أن الناس في مجتمعات شرق آسيا يميلون إلى تقدير الجدارة السياسية، لكن هذا الأمر قد لا ينطبق على ثقافات أخرى.

على سبيل المثال، طورت الثقافة السياسية الأميركية روحاً مناهضة للنخبة قوية، لذا يصعب تخيل الدعم لحكم الحزب الواحد القائم على الجدارة فيها. وهذا يجب أن لا يحجب واقع وجود عناصر نخبوية في النظام السياسي الأميركي، فرؤساء أميركا هم خريجون من جامعتي هارفرد ويال، لكن القادة السياسيين يميلون إلى عدم الإفصاح كثيرا عنها.

والأمر الأكثر أهمية أنه يصعب تخيل إصلاحات دستورية رئيسية في النظام السياسي الأميركي يشجع المزيد من الجدارة، بل يمكن توقع تغيير للأسوأ بمعنى المزيد من العسكرة في حال حدوث هجوم إرهابي كبير آخر على الأرض الأميركية. وعلى نقيض ذلك، فان النظام الدستوري الصيني يبدو أكثر قابلية لتحول سياسي كبير إذا تطلبت الظروف.