قام رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي، خلال القمة الأوروبية الأخيرة التي استمرت طوال الليل، بإعطاء المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنذارا أخيرا غير متوقع، بإيقاف كل ما جرى الاتفاق عليه إلى أن توافق على اتخاذ إجراءات حيال كلفة الاستدانة المرتفعة لإيطاليا وإسبانيا.

وميركل التي أمسكت بمعظم أوراق اليورو، على امتداد السنتين الماضيتين، لم تكن معتادة على أن توضع في موقف دفاعي. وحذرت قائلة: «هذا الأمر لا يساعد على حلحلة الأمور «. وعندما اجتمع القادة الأوروبيون ،في المقر الزجاجي للاتحاد الأوروبي في بروكسل، رد رئيس الوزراء الإيطالي عليها قائلا: «أدرك ذلك».

والمواجهة التي دامت تسع ساعات بين إيطاليا وألمانيا في تلك الليلة أدت إلى تسوية، لكنها لم تصل إلى الإجراءات الواسعة التي كانت يرغب بها مونتي، ومع ذلك، ساعدت في شق طريق أمام تدخل محتمل من قبل البنك المركزي الأوروبي في سبيل إعادة الاستقرار إلى أسواق السندات المترنحة لكل من إيطاليا وإسبانيا، وهي خطوة شديدة الخطورة قد تكون فرصة أوروبا الأخيرة لإنقاذ اليورو.

سؤال بلا جواب

والصراع الإيطالي الألماني كشف أيضا عن خلاف فلسفي عميق في قلب منطقة اليورو، فهل تكفي الإصلاحات المؤلمة والتقشف في بلدان مثل إيطاليا وإسبانيا لإعادة الثقة في العملة الموحدة، كما تؤكد ألمانيا؟ أم أن البلدين يحتاجان إلى دعم مالي جماعي من أوروبا فيما هما يعملان على إصلاح اقتصاديهما كما يقول مونتي؟

هذا السؤال لم تتم الإجابة عنه بعد، وهروب المستثمر من إيطاليا وإسبانيا لا زال يهدد البلدين بالانهيار المالي، والأسواق تشكك بقدرة العملة الموحدة لأوروبا على الاستمرار في إطارها الحالي.

وتبقى ألمانيا مشككة بعمق حيال التدخل الواسع للبنك المركزي الأوروبي في أسواق السندات الحكومية، خوفا من أن يؤدي التدخل إلى تخفيف الضغوط عن البلدان في سعيها لإصلاح اقتصاداتها.

وأخيرا، خيب رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، أمل الأسواق لناحية اتخاذه إجراءات فورية، لكنه قال إن البنك «ربما» يشتري قريبا جدا سندات البلدان المأزومة ،التي تلبي شروطا معينة وضعتها السلطات الأوروبية.

 وقد قال مونتي بعد القمة: «لو كنت دراغي، فإنني سأشعر بحماية معنوية وسياسية لاتخاذ خطوات جريئة في اللحظة المناسبة»، وذلك بفضل نتائج القمة. وفي حوار أجري معه أخيرا، وصف مونتي تعليقات رئيس البنك المركزي الأوروبي الأخيرة بانها «خطوة جريئة» تبدأ في تحديد «الشروط التشغيلية» للقمة الأوروبية الأخيرة.

ولم يعلق مونتي على الشروط التي طرحها دراغي للحصول على مساعدة البنك المركزي الأوروبي، لجهة قيام كل من إيطاليا وإسبانيا بالتقدم بطلب دعم لسوق السندات من صندوق الإنقاذ الأوروبي والتوقيع على لائحة من الوعود خاصة بالسياسات الاقتصادية. ومثل هذه الخطوة قد تكون خطرة سياسيا لروما ومدريد، حيث أنها ستفسر على الأرجح بمثابة خسارة للسيادة الوطنية.

موقف مختلف

بعد ثلاث سنوات عاشتها أوروبا في وضع من الاضطراب المالي، تمت تسمية مونتي في نوفمبر الماضي، وهو أستاذ الاقتصاد الرزين والبالغ من العمر 69 عاما، لرئاسة حكومة مؤقتة من التكنوقراط غير الحزبيين، وأصبح المتحدي الأكثر تصميما لنهج ألمانيا وتعاملها مع أزمة اليورو.

وخلال الشهور التسعة الأولى لوجوده في السلطة، أدخل مونتي عددا من الإصلاحات الاقتصادية، محققا الوعد الذي قطعته إيطاليا لشركائها الأوروبيين وللمصرف المركزي الأوروبي السنة الماضية، لكن طلب المستثمرين على سندات إيطاليا بدأ يجف، مما هدد بكارثة مالية لن تتمكن أوروبا من احتوائها. ويقول مونتي إن إشارة لمساعدة ملموسة على المسرح الأوروبي تعني قيام المنطقة بالتبيان للإيطاليين المشككين بأن هذه الإصلاحات المؤلمة تحقق لهم المكاسب.

يقول مونتي: «تقول ألمانيا إنه إذا كان السوق يجبرك على دفع معدلات استدانة عالية، فإن هذا يعني أنك لم تقم بما يكفي لإصلاح اقتصادك المحلي. ووجهة النظر تلك تتجاهل واقع أن الهوامش المرتفعة أخيرا، تعكس أيضا مخاوف السوق من انهيار اليورو».

ويضيف: «ما نطالب به هو أن تصدق السلطات الأوروبية على حسن سلوك إيطاليا وتترجم ذلك بتدخلات لإبقاء هذه الهوامش في حدود مقبولة. ولطالما قلت لميركل انه، إذا لم يجر القيام بذلك، فأنها تخاطر في أن تجد أمامها برلمانا إيطاليا رافضا لأوروبا، وللاستقرار النقدي ولليورو، ولا يكن الود لألمانيا».

وميركل من خلال الناطق باسمها رفضت التعليق، لكن مسؤولين ألمان يقرون بأن مونتي سجل نقطة على ألمانيا في قوله هذا. فالمستثمرون يفرون من الديون الإيطالية والإسبانية، على الرغم من أن روما ومدريد يخضعان اقتصادهما إلى إعادة تنظيم واسعة. وهذا يعني أن أوروبا تحتاج إلى القيام بالمزيد لمساعدة عضويها الجنوبيين الكبيرين. لكن المستشارة التي تتصف بالحذر تخشى في أن يرتد عليها سياسيا في ألمانيا، أي تدخل كبير في أسواق السندات، بالإضافة إلى أن هذا التدخل قد لا ينجح.

وقد قال وزير الخزانة الأميركي تيموثي غاثنر أخيرا: «إن قوة مونتي بالتحديد ليست فقط في قدرته على إعادة بناء الثقة في السياسة الاقتصادية الإيطالية فحسب، وإنما أيضا في مساعدة دفع أوروبا نحو مجموعة من المؤسسات الأكثر قوة والى استراتيجية نمو اكثر فاعلية» وأضاف: «لديه الكثير من المصداقية في ألمانيا وحول العالم، وهذا يشكل فرقا».

وفي أواخر الخريف الماضي، كانت ضغوط ميركل الدبلوماسية على إيطاليا لتسريع إصلاحاتها الاقتصادية قد لعبت دورا في صعود مونتي إلى السلطة. كانت إيطاليا تعاني منذ مدة طويلة من بيروقراطية مميتة، وتهرب مزمن من الضرائب، وقطاع أعمال مليء بالاتحادات الاحتكارية للمنتجين.

وفي ظل اقتصاد راكد، كان يمكن تحمل الدين الهائل لإيطاليا الذي يصل حاليا إلى نسبة 123% من الناتج المحلي الإجمالي، عندما كانت البلاد لديها معدلات فائدة منخفضة على أسواق السندات، لكن الأوضاع لم تبق على ما هي عليه. ومونتي يعد شيئا مختلفا في أوروبا، فهو زعيم غير منتخب تم جلبه لإجراء تغييرات لا تحظى بالشعبية كان قد ابتعد عنها سياسيو البلاد.

ويعتمد مونتي على تسامح الأحزاب السياسية الرئيسية في إيطاليا، وليس لديه قاعدة قوة يستند إليها خاصة به. يمتاز بطبيعته المنضبطة وحسه الفكاهي الظريف، ويحظى بتقدير مسؤولي الفاتيكان، على الرغم من إدخاله ضرائب على ممتلكات الكنسية.

ومونتي كان ينتقد دين إيطاليا المتفاقم بنشاط في وقت مبكر منذ ثمانينات القرن الماضي، وكان يعتقد أن الميزانيات المتوازنة هي قضية عدالة نحو أجيال المستقبل. وعندما اصبح رئيسا للوزراء، قام بتخفيض تكاليف معاشات التقاعد من خلال إجبار الإيطاليين على العمل لساعات أطول، لكنه، وفي محاولة لإظهار المزيد من الإنصاف حتى في ظل التقشف، لاحق المتهربين من الضرائب من خلال القيام بمداهمات على المتاجر والمقاهي في منتجعات العطلات الخاصة بالنخب مثل «بورتوفينو».

تهديد مرتقب

منذ عدة شهور بدأ يعمل على إجراء مساومات، عندما أضرت إجراءاته التقشفية بالإنفاق الاستهلاكي ودفعت بإيطاليا في الركود بصورة أعمق. ولقد خافت الأحزاب السياسية من أن تأييدها لمونتي سوف يضر بتأييد الناخبين لها، دون فوز إيطاليا بمكاسب في الأسواق.

فخفف مونتي التشريعات الخاصة بتحرير قطاع الخدمات، وكانت الحكومة الإيطالية قد أمرت ببيع شبكة الغاز التي تسيطر عليها الدولة من الشركة التي تملكها وذلك في سبيل تخفيض أسعار الطاقة المرتفعة في البلاد، لكن صندوقا تابعا للدولة قام بشراء الحصة المعروضة، مما أثار تذمرا بان الصفقة كانت فرصة خصخصة ضائعة.

ولقد كشف مونتي عن إصلاح مهم تاريخيا في قطاع العمل يسهل على رجال الأعمال تسريح الموظفين ويجعل إعانات البطالة اكثر شمولية. لكن تحت ضغط المشرعين ذي الميول اليسارية خفف تلك الإجراءات من خلال السماح للمحاكم في بعض الحالات في إعادة توظيف العمال المصروفين.

ويقول مونتي إنه يقوم بما في وسعه لتغيير إيطاليا، والسلوك الإيطالي، لكنه يحتاج إلى موافقة برلمانية على القوانين لكي تمر، ويتابع: «لا بد لي من جمع الحد الأدنى من التوافق الضروري لجعل البرلمان يوافق على القوانين».

وحتى فترة ليست بعيدة، كان يدور في حلقة مفرغة. كلما كانت الإجراءات التي يطرحها تقل شعبيتها، كانت الأحزاب السياسية في إيطاليا تهدد بسحب التأييد لحكومته، وبرلسكوني الذي لا زال يتمتع بنفوذ كان يتعامل مع فكرة عودته إلى السلطة علنا.

وقد هز شبح عدم الاستقرار السياسي في روما الأسواق، ودفع بكلفة الاستدانة لإيطاليا إلى المزيد من الصعود. ومونتي كان يريد المزيد من المساعدة الأوروبية لإخراج إيطاليا من مرمى الأسواق، لكن هذه المساعدة لم تكن مقبلة على الطريق. بدلا من ذلك، أرادت ألمانيا رؤية إصلاحات داخلية أشد قساوة.

رجل الإصلاح

وقبل أيام من قمة منطقة اليورو في 28 يونيو الماضي، خاطر مونتي في روما في سبيل تعزيز سلطته في أوروبا. فطرح قانون العمل المثير للجدل في البرلمان، وطالب للمشرعين بأن يدعموه أو يقيلوه، وقد أُقر ذلك القانون، وتعززت مؤهلاته في الإصلاح، فسافر إلى بروكسل.

وكان يفترض بالقمة الموافقة شكليا على «ميثاق النمو» لتحفيز النمو الاقتصادي عبر تحفيز الاستثمار الحكومي في أوروبا. وكانت الإجراءات المتصورة متواضعة، لكنها كانت إشارة سلام مهمة للمعارضة من اليسار الوسط في برلين، التي كانت ميركل في حاجة إلى أصوات أعضائها للتصديق على هدفها الحقيقي، وهو التوصل إلى اتفاق أوروبي مبكرعلى الانضباط المالي.

وفي الأمسية التي سبقت الاجتماع، دبر مونتي خطة اختطاف القمة. فإذا لم تقبل ميركل باقتراحه المتعلق بتدخل صندوق الإنقاذ الأوروبي في سوق السندات، فانه سوف يستخدم الفيتو ضد «ميثاق النمو»، الأمر الذي سيضع ميركل في وضع محرج أمام برلمانها. وفي السابق كانت إيطاليا قد شكلت جماعات ضغط لدعم الميثاق، بالتالي كان تهديد مونتي بالفيتو، المعلن قبل قليل من اجتماع قادة أوروبا لتناول العشاء، بمثابة قنبلة.

لكن المستثمرين المشككين يعلمون أن صناديق الإنقاذ لمنطقة اليورو ليست من الضخامة بحيث تدعم وحدها سوق السندات الهائل لإيطاليا. المصرف الأوروبي المركزي هو الوحيد الذي يملك القوة النارية الضرورية لتحريك السوق. ومسؤولون ألمان كبار يقولون إن مساعدة المصرف المركزي الأوروبي هو ما كان يسعى وراءه مونتي في الأصل.

والزعيم الإيطالي مقتنع بان القمة الأوروبية الأخيرة أمنت تغطية سياسية للمصرف المركزي الأوروبي لاتخاذ إجراءات جريئة، مع معرفة أن حكومات منطقة اليورو، بما في ذلك ألمانيا لن تعارضها. يقول مونتي: «لا شك لدي في أن المصرف المركزي الأوروبي في المساء الذي يسبق تفكك اليورو، سيقوم بكل ما هو ضروري لإنقاذه» والسؤال المطروح هو: «هل نحتاج إلى أن نصل إلى ذاك المساء؟».

طموحات إيطالية مشروعة

 

في تناغم مع موقف رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي حول «ميثاق النمو»، في القمة الأوربية الأخيرة، قالت رئيسة الوزراء الدانماركية هيلي ثورنينغ شميدت: «لكننا نحتاج إلى نتيجة هذا المساء»، ثم قال رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو: «هذه لحظة قاتمة».

كانت القمة في طريق مسدود، وقد قام الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بإعلام الصحافيين حول ما يدور خلف الأبواب المغلقة، مضيفا إنه يتعاطف مع موقف مونتي.

وخلال الاستراحة، استمتع مونتي ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي بلحظة انتصار على ألمانيا في كرة القدم، حيث قام الرجلان بمشاهدة أهداف نجم كرة القدم الإيطالي ماريو بالوتلي فيما هي تخرج ألمانيا من البطولة الأوروبية لكرة القدم. وميركل، أبرز المعجبين بفريقها الوطني، كانت أيضا تتابع المباراة من خلال الرسائل النصية.

واعتراض مونتي دام حتى الرابعة من بعد الظهر، قبل أن يوافق القادة، أخيرا، على نص تم التوافق عليه من قبل أعوانهم، يقضي باستخدام صندوق الإنقاذ الأوروبي «بطريقة مرنة وكفء» في سبيل استقرار سوق السندات لأعضاء منطقة اليورو الضعفاء.

لكن الأمور لم تصل إلى حيث كان يريد مونتي في الأصل، ولا زال يتوجب على إيطاليا وإسبانيا تقديم طلب للحصول على المساعدة وتوقيع على مذكرة خاصة بالسياسات، ومع ذلك، فقد أقنعت إيطاليا ألمانيا، من خلال زرع الحاجة إلى استقرار أسواق السندات في نص بيان القمة، بالإقرار بجهود روما الإصلاحية، كما دفعت بنهجها في حل الأزمة إلى دائرة الضوء. ومونتي تحدث متحمسا إلى الصحافيين ،مدعيا الرضا عن إيطاليا وأوروبا، في حين أنسلت ميركل إلى الفندق الذي تقيم به.

نصر داخلي

 

مع انتهاء أعمال القمة الأوروبية، كان الإعلاميون والمشرعون الألمان مقتنعين بأن مستشارتهم قد خضعت لضغوط رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي، مانحة إيطاليا وإسبانيا إمكانية الوصول غير المشروط إلى الخزانة الألمانية، واحتجاجات ميركل لاحقا، في الصباح التالي، بان نص الوثيقة حافظ على الإجراءات القائمة للحصول على المساعدات، ذهب معظمها دون أن يلحظ.

لكن مساعدي ميركل يقولون إنها ارتاحت إلى كون مونتي سجل نصرا سياسيا مهما في الداخل، مما يعني أنها سوف تتعامل مع الأستاذ لفترة طويلة، وليس مع سياسي إيطالي كبرلسكوني يخجل من الإصلاحات.

لكن الأسواق لم تخدع لفترة طويلة، فقد ازدادت تكاليف الاستدانة لإيطاليا إلى ما يصل إلى 6.6% في أواخر يوليو، مع إشارات جديدة إلى أن طلب المستثمرين على الديون الإيطالية في حالة تراجع. فالمستثمرون المشككون يعلمون بان صناديق الإنقاذ لمنطقة اليورو ليست من الكبر لتدعم لوحدها سوق السندات الهائل لإيطاليا، وأن المصرف الأوروبي المركزي هو الوحيد الذي يملك القوة الضرورية لتحريك السوق.