كان بوسع المصريين الذين أحبوا الرئيس المصري الجديد د محمد مرسي والذين كرهوه أن يتفقوا على حقيقة واحدة فيما كان يؤدي القسم قبل شهرين تقريبا. وهذه لحقيقة هي أن الرجل سيكون قائدا بلا سلطة على وجه التقريب. ولكن هذا السياسي الذي نظر اليه من قبل الكثيرين باعتباره رئيسا جاء بمحض الصدفة ويفتقر إلى الجاذبية، سرعان ما أطاح بخصومه ودعم سلطته بسرعة وحنكة مذهلتين.
فوز مدهش
أجبر د محمد مرسي القادة العسكريين الكبار في مصر على التقاعد في خطوة دراماتيكية ومفاجئة نظر إليها المحللون باعتبارها فوزا في صراع على السلطة اعتقد الكثير من المصريين أن الجمود سيهيمن عليه عبر سنوات عدة، وربما تمثل الأمر الأكثر مدعاة للدهشة في محدودية ردود الأفعال التي أثارتها قرارات الرئيس المصري في بلد قاده العسكريون على امتداد ستة عقود. وجاء في بيان أورده مدير صفحة الفيسبوك الخاصة بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية أن التغيير في القيادات العسكرية هو "تغيير طبيعي". وجاء في هذا البيان ايضا:" نقلت المسؤولية إلى جيل جديد من أبناء مصر لبدء رحلة جديدة في الحفاظ على أرض مصر وسمائها وبحارها".
وطرح المحللون احتمالا مفاده أن القيادة العسكرية الجديدة يمكن على الرغم من ذلك أن تبرز باعتبارها قوة منافسة، ولكن في الوقت الحالي على الأقل، فإن تناغما غير معتاد يهيمن على الموقف. فإذا كان أحد من كبار القادة الذين تمت تنحيتهم يشعر بالحنق حيال ما حدث، فإن أيا منهم لم يعرب عن استيائه.
اختلاف حاد
وانقلبت تغطية أجهزة الإعلام على تحركات الرئيس المصري بين عشية وضحاها، حيث بادرت في العناوين ومقدمات النشرات إلى تغطية تحركات محمد مرسي تماما بالطريقة ذاتها التي غطت بها الرؤساء الثلاثة الذين سبقوه، وهو الأمر الذي يشكل اختلافا حادا عما كان يحدث في الماضي القريب، والذي مالت خلاله وسائل الإعلام إلى تبني صف المؤسسة العسكرية المصرية في نزاعاتها مع جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي.
وفي هذا الصدد يقول هاني شكر الله مدير تحرير موقع الأهرام ، وهو موقع إخباري باللغة الإنجليزية ينظر إليه باعتباره غير متحيز:" إننا نواصل الميل إلى التقليل من القوة السحرية للرئاسة في مصر".
وبالنسبة للدكتور مرسي فإنه يعد من قبيل المخاطرة الكبرى أن يقدم على الإمساك بمقاليد السلطة، فيما تتردد أصداء الهجوم الذي تعرض له الجنود المصريون في سيناء وفيما تعاني مصر من الأزمة الاقتصادية الطاحنة. ولا يزال الكثيرون من الليبراليين والمسيحيين المصريين ينظرون إليه بحذر، ويخطط منتقدوه لمظاهرة حاشدة في أواخر أغسطس لإدانة ما يصفونه بالسجل المتواضع في الحكم من جانب الإخوان المسلمين.
وتقول نورة سليمان إحدى مؤسسات حزب العدالة الليبرالي":" أتمنى أن أعتقد أن هذه خطوة في التحول باتجاه الديمقراطية، حيث أن الإخوان المسلمين يسيطرون على معظم مستويات السلطة". وقالت نورة سليمان إنها ليست من أنصار القادة العسكريين، ولكنها كانت تنظر إليهم باعتبارهم شرا لا بد منه خلال التحول الديمقراطي في مصر:" ولإخراج مرسي إذا قام بشيء يناقض بصورة مطلقة طبيعة الدولة".
ويقول المحللون إن غياب الخطاب الإسلامي خلال الوقت الذي أمضاه د مرسي في منصبه، والعدد المحدود نسبيا من الإسلاميين الذين عهد إليهم بمناصب قيادية، يعدان من الأسباب التي تقف وراء نجاحه في استعادة سلطات شاملة للرئاسة، وبالإضافة إلى إحالة القادة العسكريين الكبار إلى التقاعد، فإن د مرسي قد ألغى كذلك العمل بالتعديل الدستوري الذي كان من شأنه أن يضعف إلى حد كبير منصبه، حيث كان يخول المجلس العسكري الكلمة الأخيرة في الشؤون الأمنية.
وقد نقل د مرسي أناسا من داخل المؤسسات إلى مناصب أعلى رأى أنهم مؤهلون لشغلها، وبدا واضحا أن هذه التغييرات جاءت بعد دراسة مطولة.
أسباب القبول
ولكن هناك سببا آخر يكمن وراء استعداد القادة العسكريين الذين تمت إحالتهم للتقاعد للقبول بهذا القرار، حسبما توضح زينب عبد الماجد المؤرخة بالجامعة الأميركية في القاهرة التي درست المؤسسة العسكرية وناقشت الوضع مع كثير من الضباط ذوي الرتب المتوسطة خلال الأيام القليلة الماضية.
وقالت المؤرخة المصرية مشيرة إلى المشير محمد حسين طنطاوي ونائبه رئيس الأركان سامي عنان:" كان هناك الكثير من السخط عليهما وقد تركا منصبيهما في هدوء لأنهما ارتكبا أخطاء كثيرة". وتلقت صورة المؤسسة العسكرية المصرية ضربة خلال الشهور السبعة عشر التي حكم فيها العسكريون البلد عقب الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك في فبراير 2011. وعلى الرغم من أن الجيش المصري يظل متمتعا بالشعبية فإن طنطاوي والقادة العسكريين الآخرين، الذين ظهروا بالصورة بشكل مفاجئ، قد تعرضوا لانتقادات مريرة في المظاهرات وعبر الوسائط الاجتماعية.
ومع انحسار هذه الشخصيات فإن من المؤكد أن مرسي وجماعة الإخوان المسلمين سيواجهان تدقيقا وانتقادات متزايدة في المنصب العام في بلد يعاني من نسبة بطالة مرتفعة. ومن بنية تحتية حافلة بالمشكلات، ومن سكان أصبحوا ناشطين سياسيا بصورة مفاجئة.
رجل قوي
إذا برز الرئيس المصري د. محمد مرسي في نهاية المطاف باعتباره رجلا قويا لم يكن محتملا ، فإنه سيمضي على خطى من سبقوه، فالرئيس المصري السابق أنور السادات الذي حكم مصر من 1970-1981، ومبارك الذي أعقبه في سدة الرئاسة، تحديا كلاهما التوقعات المبكرة عن نوعية القيادة التي سيجلبانها إلى الرئاسة. وفي هذا الصدد يقول الصحافي عضو جماعة الإخوان المسلمين محمد عبد القدوس: " لقد أراد استعادة مرسي سلطاته كاملة، وهو لا يعرف الدبلوماسية".
