كل دولة لها قوانينها التي تحد من الحرية السياسية، فالمحتجون المناهضون للرأسمالية في لندن ونيويورك يتم تفريقهم بالقوة، ومقاطعة "كوبيك" الكندية التي تعاني من اضطرابات طلابية سنت قانونا يفرض غرامات يومية على منظمي الاحتجاج تصل إلى 35 الف دولار، وواضعو القوانين يحاولون وقف القرصنة والدعاية المتشددة على الإنترنت، وقضايا القدح والذم، تعد نظريا على الأقل جرائم جنائية في العديد من الديمقراطيات. وينص القانون الأميركي على إن نشاط "العملاء الأجانب" يجب أن يدون في سجلات ويتم الكشف عنه.
ويتبع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ما يبدو في الظاهر نهجا مماثلا، فأربعة قوانين تم تمريرها أو تنتظر الموافقة عليها، أحدها يفرض غرامات كبيرة على المشاركين في الاحتجاجات غير القانونية ومنظميها، وقانون آخر يضع لائحة سوداء لـ "مواقع إلكترونية ضارة"، لم ينشر بعد، وثالث يعيد تجريم قضايا القدح والذم، وقانون رابع يفرض على المنظمات والجمعيات التي لا تتوخى الربح التصريح عن أي تمويل يصلها من الخارج، وإذا كانت تقبل به، فإنها توصم بلقب "عميل أجنبي". وهذا ينسجم مع خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المناهض للغرب، والذي يصور روسيا كحصن محاصر ومعارضيه كدمى لأعداء روسيا من الأجانب.
وهذه القوانين تمثل مصدر قلق، حتى لو كانت روسيا تتمتع بحكم القانون وبصحافة حرة نشطة، لأنها مكتوبة بطريقة فضفاضة، وقد تم الإسراع في تمريرها مع جرعات من السموم الحكومية. وما يزيدها سوءا هي الطريقة التي تعمل بها كل من وكالات الدولة والمؤسسات العامة في روسيا، وهذه المؤسسات تخدم مصالحها بالأساس، وهي تعمل على الإفلات من العقاب في الوقت الذي تأخذ أوامرها السياسية من أعلى. وهذا الوضع يغذي الفساد، ويظهر نقص التحقيقات في الانتهاكات العديدة التي تجري خلال عمليات الاعتقال، ولدى الروس كل الأسباب للخوف من تفسير القوانين الجديدة بشكل انتقائي وعلى سبيل الانتقام.
دليل ضعف
وبالتزامن مع ذلك، يحاول بوتين أن يردع معارضيه وأن يظهر لمؤديه المتصلبين بانه لا زالت لديه الإرادة لاتخاذ إجراءات صارمة، ولا زال بإمكانه حمل مجلس الدوما على تنفيذ رغباته وأوامره، لكنه، بهذا يظهر أيضا علامات ضعف.
وكان بإمكان بوتين في السابق، مدعوما بشعبية واسعة وإيرادات نفطية مرتفعة، تجاهل تظاهرات المعارضة التي يشارك فيها قلة من الناس. وكان باستطاعته أن يتجاهل أو يهمل الانتقادات اللاذعة لوسائل الإعلام. فالتغطية المؤيدة له على التلفزيون الوطني كانت تتفوق عليها بسهولة. لكن الآن، فإن نموذج إدارة أعمال هذا النظام، القائمة على تجميع غنائم السلطة وتقاسمها، لا سيما ريع الموارد الطبيعية، قد أصبح في وضع صعب. بالنسبة للطبقة الوسطى في المدن ، يشكل الخروج عن القانون مصدرا للسخط على الأوضاع، كذلك التغطية المتملقة لبوتين في وسائل الإعلام، وكل ما يشير إلى عجرفة الزعماء الروس، مثل عمليات تزوير الانتخابات المزمنة، والتبادل غير الرسمي للمناصب بين بوتين وسلفه الرئيس السابق للبلاد ديمتري ميدفيديف.
المزاج العام
وتسبب عدم قدرة السلطات الروسية على الاستجابة للمزاج الشعبي الجديد إنهاكا للبلاد، وهناك كثيرون من داخل النظام يعرفون أن الوضع يحتاج إلى تغيير، لكن العديد منهم يخشى تبعات هذا الأمر، فوجود صحافة حرة ونيابة عامة مستقلة سيطرح أسئلة خطرة حول الفساد والعنف على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية.
ونتيجة لذلك، تتجه روسيا سريعا في الاتجاه الخطأ، وهو اتجاه يقربها من ماضيها، وبعيدا عن التيار العام السائد في أوروبا حيث تنتمي. وهذا الوضع على الأرجح لن يستمر طويلا، فإجراءات قاسية مثل اعتقال قادة المعارضة تنذر بإشعال المزيد من الاحتجاجات، وقمع شامل مثل استخدام العنف لتفريق أعداد كبيرة من المتظاهرين، لا يزال أمرا بعيد الحدوث، وربما يفوق قدرة الشرطة وأجهزة وزارة الداخلية الفاسدة وغير الكفوءة والمحبطة معنويا، ومع ذلك، فإن قمعا جزئيا في الداخل، سيكون سيئا طالما هو مستمر. وفيما الروس ينشدون الكرامة والعدل والحقيقة، فإن قوانين الرئيس الروسي بوتين غير المدروسة وكلماته المستأسدة تشكل بديلا بائسا لما ينشدونه.
الدوافع الكامنة
تغيرت روسيا بشكل كبير خلال حقبة بوتين، ضاعفت ناتجها المحلي الإجمالي ودفعت ديونها الخارجية، وبنت واجهة ديمقراطية قائمة على الحزب الواحد، ووظفت مواردها في النفط كوسيلة للدبلوماسية القسرية، وأعادت تأكيد نفوذها الإقليمي، وخاضت حربا في جورجيا.
لكن الاحتجاجات المناهضة للحكومة أخيرا شكلت تحديا لبوتين لم يختبره من قبل. للمرة الأولى لم يكن بإمكانه الزعم أن الذين يعارضونه يشكلون قوة هامشية غير فعالة. وعلى الرغم من انه قد يكون قد هيمن على الانتخابات الرئاسية في مارس الماضي، إلا أن العوامل الكامنة وراء المعارضة الجماهيرية لحكمه ستزداد، وهي أساسا تنبع من أوساط الطبقة الوسطى.
ولذا، فإن فهم دوافع بوتين لتعزيز سلطته يعد أكثر أهمية من أي وقت مضى لمن هم داخل روسيا أو خارجها.
