بدأ ينشط لتوه أمر مدهش في تطلعات الشباب الروسي، فالسخرية المتفشية من العمل الجماعي، والتي سيطرت خلال مرحلة ما بعد انهيار الدولة السوفييتية وتعاليمها الخاصة بالروح الجماعية، قد تكون بسبيلها إلى أن تفسح المجال لشعور جديد، يبرز فكرة أن المواطنين الروس قادرون على تنظيم أنفسهم، وتولي مسؤولية بعضهم بعضاً، وأنهم في نهاية المطاف قادرون على أن يؤثروا في الكيفية التي يدار بها الحكم في روسيا.
ويمكن إيجاد البرهان على هذا الأمر في أعداد المتطوعين الشباب الذين يساعدون مدينة "كريمسك" التي دمرها الفيضان، وكذلك في جفاء بعض المسؤولين الروس تجاه هؤلاء المتطوعين.
وبعد فترة وجيزة من تدمير فيضان لمدينة يبلغ عدد سكانها 60 ألف نسمة في جنوب روسيا ليلاً، ومقتل 172 شخصاً بحسب الإحصاءات الرسمية، وربما أكثر من هذا العدد بكثير، حاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التخفيف من وقع المأساة قائلاً: "يفترض عدم المبالغة في حجم المأساة وأبعادها".
لكن رد فعل العديد من الروس، بالأخص بين الفئات الشابة، كان مختلفاً، فقد قامت مجموعات من نواحٍ مختلفة من البلاد، بتنظيم مساعدات إنسانية وتوجهت إلى "كريمسك" للمساعدة، بدلاً من انتظار موظفين حكوميين غير مؤهلين. والمسؤولون المحليون ملامون أصلاً لعدم إبلاغ السكان بالتبعات الوشيكة لهطول هذه الكمية الاستثنائية من الأمطار.
وعي بالمسؤولية
ويعد العمل التطوعي في" كريمسك" مؤشراً إلى كون الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الشارع، والتي بدأت الشتاء الماضي، قد ساعدت في إحياء وعي لدى العديد من الشباب الروس بمسؤولياتهم تجاه المجتمع وكذلك الرغبة في أن تفي الحكومة بالتزاماتها تجاه مواطنيها، ومع انتعاش العمل التطوعي من خلال الشبكات الاجتماعية والمجتمعات المشكلة حديثاً، فإن مخططاً لشكل جديد من المجتمع المدني بدأ في الظهور.
وكما كان الوضع في روسيا دوماً، ما زالت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة تحاول حجب المعلومات والتخفيف من حجم الكوارث، كالتي وقعت في "كريمسك". لكن التقارير باتت تشق طريقها هذه الأيام إلى الإنترنت، وتغذي شعوراً لدى الشباب بأن حياة الأشخاص لها قيمة أكثر مما تضعه لها الدولة.
تقول عالمة الاجتماع الشابة آسيا تزاتوريان، البالغة من العمر 22 عاماً، على "سكايب"، إنها تطوعت باسم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وأنها شاركت في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وتضيف: "فجأة هناك مطالبة بطريقة مختلفة فيما يتعلق بالاتصال مع الآخرين".
لكن هناك بون ما بين المطالبة وما ينتج عنها. ومع ذلك، ترى تزاتوريان وأقرانها أن لديهم إمكانية وصول أكثر من معظم الروس إلى الموارد والمعلومات، مما يلقي عليهم مسؤولية الترويج لقيم مختلفة عن تلك التي تروج لها الدولة الروسية الحالية. وخلال التظاهرات في مايو ويونيو الماضي، كان بعض أعضاء حركة الاحتجاج يحاولون التفكير بشكل رصين عما قد تكون عليه روسيا في مرحلة ما بعد بوتين.
والاستجابة لمعاناة "كريمسك" يمكن أن تقدم دلائل حول الكيفية التي يمكن أن يبنى بها مجتمع جديد، فبعض العناصر، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، موجودة الآن في البلاد بشكلها الافتراضي. ولقد نشرت الشابة المتطوعة فارفارا سوسيدوفا البالغة من العمر 25 سنة والتي صادف وجودها في عطلة في منطقة مجاورة لموقع الفيضان، آخر أخبار الفيضان في موقع التشبيك الاجتماعي الأكبر في روسيا "فكونتكتي"، وخلال ساعات، كان المتطوعون ينظمون رزماً من الثياب والطعام والأدوية، فيما غادر آخرون إلى "كريمسك".
تجربة دالة
والمعلومات التي أفاد بها أمثال سوسيدوفا لم تحث الناس على العمل عبر الإنترنت فحسب، وإنما أيضاً في أماكن موجودة فعلاً على الأرض. ففي موسكو، تحولت شبكة من المقاهي تدعى "تسيفربلات"، وهي عبارة عن مواقع التقاء حيث يقوم الزبائن بالقراءة والتحدث وحضور المناسبات الخاصة، والتي كانت سوسيدوفا ترتادها باستمرار، إلى نقاط تجمع للمساعدة الإنسانية.
وتشكل "تسفربلات" مساحات عدة للتلاقي والاجتماع في موسكو وسانت بطرسبورغ وغيرها من المدن، ويرتادها المراهقون ومن هم في العشرينات من عمرهم.
وكان مؤسسها، إيفان ميتين، قد بدأ العمل التطوعي عام 2010، عندما ساعد في إخماد حرائق قرب موسكو، ولقد أسس مقاهي "تسفربلات" في السنة التالية بوصفها أمكنة تسمح لأشخاص ذوي اهتمامات مختلفة، يدفعون مقابل كل ساعة، بتبادل الأفكار أو ربما التعاون فيما بينهم. ومنذ ذلك الحين، يقول ميتين إن "تسفربلات" وحدت جماعة من الناس تنظر بعمق حول ما يعنيه وجود مساحة ثقافية واجتماعية بديلة.
ويقول المخرج الفني في موقع "تسفربلات" ميخائيل بريبيلوفسكي، إن المشاركين في عمليات الإغاثة الإنسانية يضمون أشخاصاً يختلفون سياسياً، لكنه يضيف: "إن كان مجتمعاً مدنياً أو شيئاً آخر لا يهمنا". ويبدو اليوم أن المتطوعين يتلمسون طريقهم للتوصل إلى تعريف أوسع للمواطنة. وإذا تغيرت الطريقة التي تحكم فيها روسيا في يوم من الأيام، لا يمكننا إلا الأمل في أن يشمل هذا الحكم الجديد، الوعي الاجتماعي لهذا الجيل الصاعد، بمعزل عمن سيجيء ليحل محل بوتين وزبانيته.
عوائق مرتقبة
لطالما كانت معتقدات النخب المدينية فيما يخص قدرتهم على التأثير في التغير الديمقراطي تعاني إشكاليات في التاريخ الروسي، ولم يحل محل الاتحاد السوفييتي المنهار حكم ديمقراطي في روسيا، بل حكم الأقلية. وبالتأكيد، فإن العمل التطوعي الأخير قد يكون استرعى اهتماماً غير مرغوب به من قبل المسؤولين الروس، الذين ناقشوا أخيراً قانوناً يطلب من جماعات التطوع التسجيل قبل السماح لها بالمساعدة في مناطق الحاجات الإنسانية.
