تعهدت مصر، أخيرا، بمقاتلة المسلحين المتشددين الذين حولوا شبه جزيرة سيناء إلى ملاذ ينعدم فيه القانون، والمشتبه بهم في قتل 16 جنديا مصريا، فيما كان هؤلاء المقاتلون في طريقهم لشن هجوم على إسرائيل مني بالفشل.
لكن هدف كبح جماح المتشددين في سيناء تحول دونه الضوابط الموضوعة على النشاط العسكري في المنطقة في ظل معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، والتوتر القائم بين الرئيس المصري الجديد محمد مرسي وقادة العسكر الأقوياء في البلاد.
ومرسي الواقع في شباك الصراع على السلطة مع قادة العسكر تعهد بجعل القتلة يدفعون ثمن جريمتهم وبإعادة الأمن إلى سيناء، موطن العديد من المنتجعات السياحية الأكثر رواجا في مصر والمطلة على البحر الأحمر.
وحتى قبل الانتفاضة الشعبية، كانت هناك مشكلة أمنية في سيناء، منبعها غضب السكان الأصليين من البدو حيال ما يرونه من طغيان على يد الشرطة ومن نقص في الخدمات الحكومية الملائمة. واستنادا إلى مسؤولين أمنيين في سيناء، فإن الإسلاميين قد عقدوا تحالفات مع البدو الساخطين.
وخلال الشهور الثمانية الأخيرة، تركت الأزمة الأمنية، كما مشكلات مصر الكبيرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من دون علاج، في الوقت الذي واجه قادة العسكر الذين اخذوا السلطة من مبارك إسلاميين بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، فازوا بالانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال المرحلة الانتقالية.
وضع معقد
وما يزيد من تعقيدات العنف المتصاعد في سيناء روابط مصر المتقلبة مع قطاع غزة، الذي يحكمه الإسلاميون أيضا. وكان الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي قمع جماعة الإخوان المسلمين، قد ساعد إسرائيل في فرض حصار على غزة.
لكن مرسي والإخوان المسلمين لديهما روابط وثيقة مع القطاع. وأخيرا، ذكرت القيادة العسكرية المصرية بان المعتدين تلقوا مساعدة من مسلحين فلسطينيين، قائلة: "إن عناصر من قطاع غزة" ساعدتهم من خلال قصف معبر الحدود مع رفح بالهاونات، بينما كان يجري الاعتداء.
والهجمات الأخيرة كانت الأكثر دموية على الجنود المصريين منذ الحرب الأخيرة لمصر مع إسرائيل منذ حوالي 40 عاما، وقد قال الجيش المصري إن 35 مسلحا يعدون متورطين في الكمين، وقد اطلقوا النار بالبنادق الهجومية والقذائف الصاروخية على رجال حرس المعبر الحدودي.
فيما كان هؤلاء يتناولون طعام الإفطار بعد صيام يوم طويل، ومن ثم سيطروا على مركبة مدرعة واحدة على الأقل، قادوها شمالا مسافة 10 كم تقريبا، واصطدموا بسياج أمني على المعبر الحدودي الذي يعرف باسم كرم أبو سالم، وهذا المعبر هو على الطرف الشمالي الشرقي لسيناء عند نقطة الالتقاء بين مصر وغزة وإسرائيل.
ولقد ادعى كبير المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي، الجنرال يوف موردخاي، أن المسلحين استولوا على شاحنة وسيارة مدرعة، ثم قاموا بتفجير واحدة من المركبات لإحداث ثغرة في السياج الأمني لدخول إسرائيل، وقال "إن تقارير المخابرات الإسرائيلية أفادت عن تسلل وشيك، وان إسرائيل أرسلت طائرات لقصف المسلحين"، وأن الغارة الجوية الإسرائيلية أدت إلى قتل 6 منهم، سلمت جثثهم إلى القوات المصرية.
ومن جهتهم، أفاد قادة الأمن المصري والمسؤولون العسكريون أن مروحيتين هجوميتين وصلتا إلى مدينة العريش في سيناء، على بعد 30 ميلاً غرب موقع الهجوم، للمساعدة في ملاحقة المسلحين، وأن قوات محاربة الإرهاب تدفقت إلى المنطقة، وأن دوريات مشتركة للشرطة والجيش عملتا على تمشيط المنطقة بحثا عن المسلحين، فيما كانت الطائرات تحلق في الأجواء.
وتجدر الإشارة إلى أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979 تحد من أعداد القوات العسكرية الموجودة ونوع الأسلحة التي يمكن لمصر أن تنشرها في سيناء، وهو الأمر الذي كان كثير من المصريين يطالبون بإعادة النظر فيه منذ الإطاحة بمبارك. ولقد وافقت إسرائيل من قبل على إرسال مصر تعزيزات لقواتها هناك، لكن المسؤولين المصريين لم يشيروا إلى ما إذا كانت إسرائيل قد وافقت على نشر مروحيات.
ولقد سافر مرسي جوّا إلى المنطقة لإلقاء نظرة عن كثب على الموقع وللإشراف على خطط اجتثاث المسلحين، وكان برفقته وزير الدفاع المشير حسين الطنطاوي الذي يترأس المجلس العسكري الحاكم.
لكن مرسي مقيد اليدين، فيما يتعلق بالسياسة الأمنية، فقبل أن يسلم قادة العسكر السلطة له، قلصوا كثيرا من سلطات الرئيس، وأكدوا سيطرتهم على كل قضايا الأمن الداخلي ووزارة الدفاع.
تحالف يتراجع
وعدم الاستقرار هناك يطرح عدة تحديات صعبة أمام مرسي، الذي منذ توليه مهام منصبه في 30 يونيو الماضي تقرب من قادة "حماس" في غزة. ولقد أدان مسؤولو "حماس" قتل الجنود، لكن مرسي قد يواجه ضغوطا للتراجع عن خططه بإنهاء التعاون المصري مع الحصار الإسرائيلي لغزة.
فالاعتداء وتأكيد القادة العسكريين المصريين تورط فلسطينيين مسلحين فيه ربما قوضا أي احتمال من هذا النوع. وإذا حافظ مرسي على روابط وثيقة مع "حماس" الآن، فإنه قد يعرض نفسه لانتقادات حول تقديم أجندة الإخوان المسلمين على المصالح الوطنية.
والعلاقات المصرية الإسرائيلية كانت دوما باردة، وكان المسؤولون الإسرائيليون قد أعربوا عن مخاوفهم من تدهور العلاقات بين الطرفين منذ الإطاحة بمبارك وصعود الإسلاميين إلى السلطة. لكن عقب الاعتداء، أغلقت مصر على الفور معبر رفح مع غزة، مع كل ما يمثله هذا من علامة شؤم لأبناء قطاع غزة.
معاناة الفلسطينيين
في سعيه لعكس سياسة خلفه المتشددة نحو "حماس"، وعد الرئيس المصري محمد مرسي في وقت سابق بتخفيف معاناة 1.6 مليون مقيم في غزة نتيجة لسنوات من الحصار من قبل الرئيس المصري السابق حسني مبارك وحلفائه الإسرائيليين.
كما وعد بفتح معبر رفح الحدودي على مدار الساعة، وهي البوابة الوحيدة لسكان غزة على العالم الخارجي، والسماح بانتقال السلع في هذه المنطقة الساحلية، وبدا كل من مرسي وحكام غزة على استعداد لعقد تحالف دائم، كان يمكن أن يزعج إسرائيل.
