لا تزال الأصداء وردود الأفعال تتوالى على مؤتمر طوكيو الذي عقد حول أفغانستان أخيرا، وتوج بتبني إعلان يردد أصداء الخوف الهندي ، وخاصة الإشارة إلى أن: " التهديد الرئيسي لأمن أفغانستان واستقرارها يأتي من الإرهاب، وهذا التهديد يعرض للخطر كذلك السلام والأمن الإقليميين والعالميين".
وقد أوضحت الدول المانحة أنها مصممة على: " ألا تسمح لأفغانستان بأن تصبح ملاذا للإرهاب الدولي من جديد".
وقد قامت الهند قبل أيام قليلة، في معرض تأكيد دورها باعتبارها الشريك الاقتصادي الرئيسي لأفغانستان، باستضافة قمة دلهي الاستثمارية حول أفغانستان، والتي دعت فيها القطاع الخاص في الدول الإقليمية إلى الاستثمار في أفغانستان: " لإنشاء حلقة حميدة من التنافس الاقتصادي السليم في أفغانستان".
دور البدل الرمادية
وشدد وزير الشؤون الخارجية الهندي على أن ما أسماه بـ"البدل الرمادية" التي يرتديها المسؤولون التنفيذيون للشركات ينبغي أن تحل في أفغانستان محل "الأزياء العسكرية الزيتونية والبنيـّة" التي يرتديها الجنود. ورفع شعار "دعوا المسؤولين التنفيذيين يحلون محل الجنرالات".
ومع قيام القطاع الهندي الخاص باستثمار ما يزيد على 10 مليارات دولار في أفغانستان، فإن الهند لها نصيب كبير في نجاح جارتها اقتصاديا. وتشعر الهند بالقلق حيال الفراغ الأمني الذي سيعقب تقليص قوات "ناتو" المقرر أن يبدأ في وقت لاحق من العام الجاري، وهي تسعى للحفاظ على بعض النفوذ في الساحة الاستراتيجية في أفغانستان في مرحلة ما بعد 2014.
وقد تم التأكيد على الطابع المحوري لدور الهند في مستقبل أفغانستان في بيان أصدرته حركة طالبان بعد زيارة ليون بانيتا وزير الدفاع الأميركي لنيودلهي خلال الشهر الماضي، حيث سعت طالبان إلى دق إسفين بين نيودلهي وواشنطن من خلال الإشارة إلى أن الهند قدمت ردا "سلبيا" على رغبة بانيتا في مشاركة هندية أكبر في أفغانستان.
وبعد سنوات من استهداف المصالح الهندية في أفغانستان ومما يليها، فإن حركة طالبان يبدو أنها أدركت فجأة أن الهند دولة مهمة في المنطقة حقاً، ولوحت لنيودلهي بألا تفكر في زيادة حضورها في البلاد بعد 2014، وذلك من خلال التشديد على أنه بالنسبة للسياسيين الهنود سيكون: " من غير المنطقي تماما أن يورطوا بلدهم في كارثة لمجرد إرضاء الأميركيين".
وقد بادرت الخارجية الأميركية على الفور إلى تفنيد ذلك، الأمر الذي أكد الدور المهم الذي تلعبه الهند في الأمن الإقليمي، بما في ذلك التحول في أفغانستان. والولايات المتحدة تدعم الآن دورا أقوى للهند في أفغانستان، الأمر الذي يشير على هذا النحو إلى التزام طويل المدى بمستقبل أفغانستان.
وكجزء من الحوار الأميركي- الهندي الثالث خلال الشهر الماضي أعلن البلدان عن إجراء مشاورات سياسية منتظمة في أفغانستان ، وقبل ذلك شدد بانيتا خلال زيارته لنيودلهي على أهمية استقرار أفغانستان بالنسبة للسلم والازدهار في المنطقة الأوسع نطاقا، وأهاب بالهند أن تساعد أفغانستان خلال خروج قوات "ناتو" وبعده ، وذلك عن طريق دعم كابول عبر التجارة والاستثمار والتعمير ومساعدة قوات الأمن الأفغانية.
وكانت الهند قد أحجمت عن القيام بدور ظاهر في دعم قوات الأمن الأفغانية باستثناء تدريب عدد محدود من أفراد هذه القوات، غير أنها الآن وافقت بدعم من أميركا على زيادة عدد العسكريين الأفغان الذين يجري تدريبهم في ظل مؤسساتها العسكرية، ويعد هذا تغييرا إلى النقيض للتردد الأميركي في الماضي في قبول دور هندي كبير في تدريب القوات الأفغانية خوفا من إثارة الحساسيات الباكستانية.
تصعيد للدور الهندي
ومع خروج قوات "ناتو"، فإن واشنطن تود أن تصعد الهند دورها كدولة تكفل الأمن القبلي. وقد أشارت الهند بدورها إلى التزامها طويل الأمد بالاستقرار في أفغانستان من خلال التوقيع على اتفاقية الشركة الاستراتيجية مع كابول في العام الماضي. وقد كان هناك على الدوام تضارب بين واشنطن ونيودلهي فيما يتعلق برؤيتهما المشتركة لأفغانستان مستقرة ومزدهرة.
وقد تم تجاوز الخلافات حول السبل التي يمكن أن تفضي إلى هذه الغاية، فبينما كانت الولايات المتحدة تنظر إلى باكستان باعتبارها مهمة في التوصل إلى النجاح في أفغانستان، ظلت الهند على تشككها في النوايا الباكستانية.
ومع تزايد استياء واشنطن من الدور الباكستاني في أفغانستان، تزايد كذلك تقديرها لتفهم الهند للتغيرات اٌلإقليمية. وهناك الآن إدراك واضح لاقتضاء النجاح في أفغانستان التخلص من الملاذات الآمنة والبنية الأساسية للإرهاب والتطرف العنيف في أفغانستان وباكستان.
والأمر الأكثر لفتاً للنظر هو إدراك واشنطن للحقيقة القائلة إنه إذا أريد للهند أن تلعب دوراً مهماً في أفغانستان، فإنها بحاجة إلى تأييد إيران في هذا الصدد.
حاجز قوي
على الرغم من أن استعداد الهند لتحمل المزيد من المسؤوليات في إدارة أفغانستان بعد 2014، من شأنه بالتأكيد أن يكون حاجزا قويا لأولئك الذين شرعوا في التشكك فيما إذا كان بمقدور نيودلهي ان تكون شريكا موثوقا به لواشنطن ، فإن الحكومة الحالية في نيودلهي تظل مشوشة وبلا دفة.
إن الحقائق المتطورة على الأرض في أفغانستان تتيح للهند فرصة لتأكيد التزامها ليس بالاستقرار الإقليمي فحسب، وإنما كذلك بشراكة قوية مع الولايات المتحدة، وما لم تصعد نيودلهي دورها في أفغانستان، فإنها ستفقد مصداقيتها ليس لدى الولايات المتحدة فحسب، وإنما أيضا لدى الأفغان العاديين الذين ينظرون إليها بتعاطف بالغ.
