توالى مصرع الجنود الأميركيين في أفغانستان أخيرا، مما جعل الفترة الماضية الأكثر دموية هناك على امتداد هذا العام بالنسبة للقوات الأميركية في أفغانستان. ويتوقف المراقبون بصفة خاصة عند قيام جندي أفغاني في مقاطعة واردوك، أخيرا، بفتح النيران على القوات الأميركية، مما أدى إلى جرح ثلاثة جنود أميركيين.
يأتي ذلك بعد ايام قلائل من قيام شرطي أفغاني بقتل 3 جنود بريطانيين وجرح رابع في مقاطعة هلمند. ويقدر أن سُبع الخسائر التي تكبدتها قوات "ناتو" هذا العام قد تم تكبدها بفعل "حلفاء" للغرب في الجيش والشرطة الأفغانيين.
حصاد دموي
وخلال العام الماضي قتل 35 جنديا من القوات المتحالفة في 21 هجوما على يد القوات الأفغانية. وفي شهر يونيو الماضي قتل 22 جنديا في 16 هجوما منفصلا. وكانت هذه الهجمات التي تعرف باسم "الأخضر على الأزرق" في إشارة إلى هجمات على الحلفاء من قبل جنود ورجال شرطة أفغان ـ كانت شيئا لم يسمع به أحد بصورة فعلية قبل أكتوبر 2009، وخلال حرب العراق بأسرها، لم تقع إلا ثلاثة حوادث من هذا القبيل.
وعندما لقي الجندي رقم 2000 في قوات الحلفاء مصرعه في 13 يونيو الماضي، مر هذا الحدث من دون الضجة الإعلامية التي سارت مع سقوط الجندي رقم 2000 في العراق في 25 أكتوبر عام 2005.
وقد توفي ثلثا الأميركيين الذين قتلوا في أفغانستان على وجه التقريب منذ تولي الرئيس الأميركي باراك أوباما منصبه. ولا يعرف معظم الأميركيين هذه الحقيقة، ولا يعرفون أيضا أن الإنفاق على الحرب هناك (الذي بلغ إجماليه حتى الآن 118.6 مليار دولار) قد تجاوز في العالم المالي الماضي ما تم إنفاقه على الحرب العراقية على امتداد الحرب، باستثناء العامين اللذين شهدا زيادة عدد القوات الأميركية هناك. وبالنسبة لأجهزة الإعلام، فإن أخبار الحرب السيئة لا تشكل أخبارا بارزة إلا عندما يكون هناك رئيس جمهوري في البيت الأبيض.
لقد جلبت زيادة أعداد القوات في العراق النصر، بحسب رؤية واشنطن، أما زيادة القوات في أفغانستان فإنها لم تحدث هذا التأثير.
تساءل ليف ليبن العضو السابق في القوات الخاصة التابعة للبحرية الأميركية بعد عقد من الحرب: ما الذي لدينا لا نظهره باعتباره نتاجا لجهودنا. هناك حكومة في ظل رئاسة حامد قرضاي تتسم بالفساد وبالافتقار إلى الكفاءة إلى حد كبير، كما يعد ولاؤها موضع تساؤل. وهناك قوات أفغانية عاجزة توجه أسلحتها بانتظام إلى مستشاريها الأميركيين والتابعين لحلف "ناتو"، وهناك حركة طالبان المتمردة المتأهبة لاستعادة السيطرة على البلاد عقب انسحاب القوات الأميركية.
دع قومي وشأنهم
وقال راجيف تشاندرا سيكاران مراسل صحيفة واشنطن بوست إن المنازعات بين مساعدي الرئيس أوباما قد أهدرت زيادة عدد القوات في أفغانستان، ولكن هذه الزيادة كانت خطأ منذ البداية.
وأضاف: لقد أراد الشعب الأفغاني إلى حد كبير أن يـُترك وشأنه، فأبناؤه يكرهون الحكومة بقدر ما يكرهون المتمردين، وعندما ذهبنا إليهم وقلنا: (إننا قادمون لمساعدتكم على تشكيل حكومة) ردوا قائلين (إننا لا نريد حكومتنا).
إن أفغانستان هي تركيب استعماري وكيان مؤلف من جماعات عرقية دمجت معا على نحو يناسب البريطانيين. والشيء الرئيسي الذي يجمع الطاجيك، الهزارة، الأوزبيك، الإيماك، التركمان والبلوش هو رفض البشتون الذين يشكلون أكبر مجموعة عرقية في البلاد، ولكن كما فعل البريطانيون قبلنا، فقد حاولنا وضع البشتون في موضع الحاكم، وحاولنا بناء حكومة مركزية حولهم.
لقد شكل الطاجيك وغيرهم التحالف الشمالي الذي تحمّل عبء معظم القتال ضد السوفييت، وكانوا حلفاءنا في طرد طالبان (وهي حركة تتألف من البشتون أساسا) من السلطة. وإنا خنا أصدقاءنا لمساعدة أعدائنا، الأمر الذي أسفر عن نتائج يمكن التكهن بها.
فشل ذريع
فاقمت السياسة الأميركية المألوفة لإدارة أوباما، الوضع في أفغانستان، ولكن الرئيس جورج بوش كان هو الذي وضع حامد قرضاي في سدة الرئاسة وبدأ عملية "بناء الدولة" لدى ما يعد المجتمع الأكثر بدائية على وجه الأرض.
إن "عملية بناء الدولة" لم تكلل بالنجاح في أفغانستان. ولا تستطيع أميركا، التي يثقل كاهلها عجزاً يزيد على تريليون دولار في الميزانية، أن تواصل الاضطلاع بهذه العملية، وكانت لدى الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان فكرة صائبة، فقد قدم المساعدة والدعم المعنوي لمن يقاتلون من أجل الحرية في بلادهم من المنظور الأميركي، ولكنه ترك لهم عملية بناء دولتهم.
