وجهت مجموعات المعارضة السورية أخيرا نداءين متناقضين إلى المجتمع الدولي، فقد طالب المجلس الوطني السوري أخيراً بأسلحة أحدث وأفضل للثوار الذين يقاتلون نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وقال رئيس المجلس عبد الباسط سيدا في مؤتمر صحافي: "نريد أسلحة توقف الدبابات والطائرات النفاثة".
وقبيل هذه المطالبة، قام ممثلون من عشر منظمات تنتمي للمعارضة في مقر جماعة سانت أجيديو في روما، بمطالبة العالم بمساعدة سوريا بطريقة أخرى، وذلك عبر إجبار الطرفين على التوصل إلى حل سلمي للصراع، وبيانهم المشترك خلص إلى الآتي: "نرفض أن تتحول سوريا إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.
ونعتقد أن المجتمع الدولي يتمتع بالقوة والقدرة اللازمتين لتحقيق توافق دولي يؤسس لمخرج سياسي من الأوضاع المأساوية الراهنة، يقوم على فرض فوري لوقف إطلاق النار، وسحب المظاهر المسلحة، واطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين، وعودة المهجرين، والإغاثة العاجلة للمنكوبين، وصولا إلى مفاوضات دولية حقيقية لا تستثني أحدا ومسار يجري استكماله بمصالحة وطنية أصيلة تستند إلى قواعد العدالة والإنصاف".
خياران مطروحان
والخيار المطروح أمام العالم ليس بين نظام الأسد والمعارضة السورية، بل بين معارضتين سوريتين. إحداها تسعى لتدخل عسكري دولي يمكنها من الإطاحة بالنظام، وأخرى تسعى جاهدة للتغير من خلال العصيان المدني والحوار وترفض التدخل العسكري من قبل القوات الأجنبية التي عداؤها لسوريا يسبق اكتشافها الحالي لمحن البلاد.
ولقد ولد هذا الصراع كانتفاضة سلمية تطورت إلى ثورة شعبية، ولقد أدى قمع عنيف لمتظاهرين غير مسلحين إلى امتشاق بعض المعارضين السلاح دفاعا عن حق التظاهر والمطالبة بالتغيير، وكان المسلحون أقلية بين مجموعة المنشقين، الذين نفروا من نهب بلادهم باعتباره أمراً سيصاحب حتما أي انتفاضة عنيفة، لكنهم كسبوا الهيمنة بقوة أفعالهم والدعم الدولي الذي تلقوه نتيجة لخيارهم رفع البندقية بدلا عن الراية.
ومع زيادة عدد القتلى، فان المحرضين على الحل العسكري هيمنوا على مخيمي النظام والمعارضة، ومن في الوسط لم يتمكن من الصمود طبعا. والمعارك التي كانت محدودة في مناطق حدودية، حيث كان يمكن تزويد الثوار بسهولة بالسلاح، انتشرت إلى كافة البلاد. ومدينتا دمشق وحلب اللتان سكانهما إما داعمون للنظام أو معارضون له دون اللجوء إلى السلاح، أصبحتا في الفترة الأخيرة مسارح لمواجهات دموية.
وثوار يتلقون معلومات استخبارية من ضباط مخابرات في الدول الغربية يعملون في تركيا ولبنان، سيطروا على أحياء في دمشق، والنظام حتما استخدم كل الوسائل لإخراجهم وإعادة احتلال تلك المناطق. والهدف التالي في استراتيجية الثوار كانت حلب، حيث يجري استخدام النمط نفسه: فلقد تمترس الثوار في الضواحي، فهرب السكان، وعاد النظام بسلاح المشاة والمدرعات والقوة الجوية لـ "استعادة النظام".
وفي هذه الأثناء، تقدر الأمم المتحدة أن 150 ألف سوري هربوا من البلاد، وما يقدر بـ 20 ألف شخص لقوا حتفهم، على الجانبين بالتأكيد، لكن معظم الإصابات طالت الذين وقعوا في مرمى النيران وهم يلعنون الطرفين.
فكيف وصلت سوريا إلى هذا الوضع والى أين الاتجاه؟ ولا يمكن لأي من الطرفين أن يدعي شرعية الانتخابات بتفويض شعبي، فلا أحد صوت في انتخابات نزيهة لا للأسد، الذي ورث عباءة والده، ولا لميليشيات الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري.
وهناك حروب وهناك حروب أهلية. وقبل أن تنسحب هيئة الصليب الأحمر من سوريا أخيرا، أعلنت أن ما يجري في سوريا يعد حربا أهلية، وهذا يعني أن الحرب لم تعد ثورة، بل معركة على السلطة بين فصائل متنافسة، فلا الجيش السوري الحر ولا الحكومة السورية يعترف الواحد منهما بالآخر، والطرفان يرفضان التحدث إلى بعضهما، ويشجع المتعاونون معهما من الدول الأجنبية من تصلبهما.
بالنسبة لمن لن تكون بلادهم طاولة شطرنج في هذه اللعبة، تشكل الحرب بالنسبة لهم رأسمالا سياسيا أكثر مما يشكل مسار التفاوض والتسوية الأكثر صعوبة.
لكن أيا من هذين المسارين سيحفظ سوريا وعلمانيتها واقتصادها والعلاقات الصحية بين جماعاتها المختلفة؟ أهو مثال الحرب الأهلية كالتي اندلعت في إسبانيا ولبنان ويوغوسلافيا أو مثال نيلسون مانديلا مجتمعا مع فارضي نظام الفصل العنصري؟ عندما تغلب كل من الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الايرلندي على كبريائهما وكرههما للتفاوض الجدي، في مقابل سعيهما للفوز، انتهت الحرب في شمال إيرلندا.
أقوال متناقضة
ليستمع الجانبان للحظة إلى الذين وقعوا على بيان روما في مقر جماعة سانت أجيديو. ومن بين هؤلاء المنبر الديمقراطي للكاتب الذي يحظى بالاحترام من شمال سوريا ميشال كيلو، وكان كيلو قد قضى مدة في السجن تحت حكم الأسد الأب، وعندما عاد بعد سنوات في المنفى عاد مجددا إلى السجن. لكنه يتعلق بالحل السلمي، ويؤمن بأنه سينقذ حلب ومدنا أخرى من الدمار.
وهناك أيضا رياض ضرار من التيار الإسلامي الديمقراطي. قضى خمس سنوات في السجن "لتحريضه على الصراع الطائفي" ولإثارته شائعات مغرضة" ولم يحوله هذا إلى مسار العنف، هما وغيرهم من الموقعين على البيان يحظيان بمصداقية بين السوريين المدركين لعيوب المعارضة والنظام.
وهناك جملة في بيان روما تلقى أذانا صاغية لدى السوريين الذين طردوا من بيوتهم ورأوا أعزاء لهم يقتلون على الجانبين: "يحتجز الحل العسكري الشعب السوري رهينة دون حل سياسي يحقق مطالبه".
الحل المنشود
يقول النظام إن الثوار يتلقون الدعم الخارجي والتمويل والأسلحة، وتقول المعارضة إن النظام متهم بسفك الدماء، لكن إلى من سيتحدث كل منهما إذا لم يكن للآخر؟ كلاهما يزعم أنه سوري يحارب من أجل سوريا، فليبرهن كل منهما على ما يقوله، لتقم روسيا بجلب الرئيس السوري بشار الأسد إلى طاولة المفاوضات رغما عنه.
ولتفعل أميركا وحلفائها الشيء نفسه مع المعارضة، فهل هذا المسار اقل واقعية أو دعما لسوريا من حرب شاملة؟ ليستمعوا لوهلة قصيرة على الأقل إلى الذين وقعوا على بيان روما في مقر جماعة سانت أجيديو.
