وصل الصراع في سوريا إلى نقطة اللاعودة، لكن ليس إلى نقطة نجد عندها نهاية سريعة للقتال. فسوريا لديها اليوم كل ما يؤهلها لحرب أهلية طويلة وقاتمة، بمعزل عن بقاء بشار الأسد رئيسا للبلاد أو عدم بقائه، فهناك مناصرون قواهم متقاربة، وهم على غير استعداد لوقف اطلاق النار، وقوى خارجية مشغولة بأجنداتها الخاصة، وغير قادرة على إيجاد أرضية مشتركة.
صراع محتدم
لا توجد طريق سهلة للخروج من هذا الصراع الذي يخيم عليه الجمود ويهدد استقرار الشرق الأوسط برمته. ويتعين لهذا السبب أن تحشد أميركا وحلفاؤها التعاون من حلفاء الرئيس السوري بشار الأسد، الإقليميين والدوليين، على الرغم من صعوبة تحقيق هذا الأمر، في سبيل إيجاد تسوية لتقاسم السلطة يمكن أن تدعمها كل الأطراف في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد.
وحتى الآن، وقفت أميركا متفرجة على الهامش، وهي تحاول التوصل إلى تعاون دبلوماسي مع روسيا. لكن تفكك سوريا، وسلسلة الأحداث التي يمكن أن يجلبها مثل هذا التفكك، يشكل خطرا ماحقا على الشرق الأوسط ومصالح أميركا طويلة الأمد في المنطقة.
وإذا انفجر الصراع السوري وانتقل إلى الخارج، فان الجميع سوف يمنى بالخسارة، ذلك أن الصراع سينتقل إلى جاراتها لبنان والأردن والعراق وتركيا. ولبنان والعراق بشكل خاص هما في وضع هش، فكل منهما لديهما خصومات طائفية مرتبطة بصراع السلطة في سوريا.
خسر نظام الأسد، أخيرا، السيطرة على أجزاء مهمة من البلاد، ولقد بنت المعارضة المدعومة بتعاطف ودعم خارجيين على قوة الدفع التي أوجدتها عملية التفجير في دمشق والتي أسفرت عن مصرع مساعدين أمنيين مهمين للرئيس، والتحول في توازن القوى يعد مهما، لكنه ليس حاسما.
وبدلا من ذلك، فإنه يمهد الطريق لصراع طويل سيقسم سوريا إلى أطراف معارضة متحاربة وجيوب عدة في مرحلة ما بعد الأسد. وحتى الأن، تحظى حكومة الأسد بما يكفي من الدعم والقوة النارية للاستمرار في القتال، ولا تظهر أي دلائل عن قرب تخليها عن القتال. وأكثرية الأقليات إلى جانب مجموعة من السكان العرب تفضل الأسد، خوفا من المستقبل الذي سيلي سقوطه، وهذه المجموعات مجتمعة تشكل ربما نصف سكان سوريا.
وفي هذه الأثناء، تسيطر المعارضة على المزيد من الأراضي، لكن صفوفها منقسمة إلى 100 مجموعة من دون أي قيادة سياسية واضحة. وحتى لو تنازل الأسد طواعية عن السلطة، فإن الآلة العسكرية وحلفاءه من الطوائف الأخرى سيمضون في القتال على الأرجح ممسكين بأراض واسعة.
الحل الممكن
وهذا سيؤدي إلى تمزق سوريا، أما القتال فسيعود له تقرير من يسيطر على أي منطقة، أي نسخة مكبرة عن لبنان في فترة السبعينات من القرن الماضي. سوف يكون هناك تطهير عرقي وتدفق للاجئين وكوارث إنسانية وفرصا متاحة لتنظيم القاعدة.
وفي لبنان، فان عقدا ونصف العقد من المجازر تم إيقافه بمساعدة سوريا وجيشها، وكان حريق طائفي هائل مماثل قد أودى بالعراق إلى هاوية العنف عقب الغزو الأميركي. وهناك، ساعدت خطة زيادة عدد القوات الأميركية عام 2007 في إيقاف القتال، لكن في سوريا، فانه لا توجد قوات أجنبية للعب هذا الدور، وهناك احتمال ضئيل بقدوم أي قوات طالما الحرب متواصلة.
لكن ما زال هناك وقت لتجنب حدوث الأسوأ في سوريا. وهذا يتطلب قرارات صعبة وإعادة النظر بما هو ممكن، وعلى الرغم من لجوء روسيا والصين، اللتين تشعران بأن الغرب قد تجاوز تفويض الأمم المتحدة في ليبيا، إلى الفيتو، إلا أن أميركا وحلفاءها ما زالوا يركزون على الضغط الدولي وتقديم الدعم للمعارضة في سبيل إسقاط الأسد.
وهذا يعد هدفا خاطئا لأنه لن ينهي القتال، وبدلا من ذلك، يجب أن يكون هدف الدبلوماسية رسم تسوية لتقاسم السلطة يمكن أن توقع عليها كل الأطراف في مرحلة ما بعد الأسد.
تسوية مقنعة
ترى الكاتبة فالي نصر أن هدف الدبلوماسية يجب أن يكون رسم تسوية لمقاسمة السلطة يمكن أن يوقع عليها كل الأطراف في مرحلة ما بعد الأسد، وهذه التسوية بإمكانها أن تقنع السوريين الذين لا يزالون مع الأسد بالتخلي عن القتال وليس الدفع نحو المزيد من الضغط على الحكومة والمشاحنات بين القوى الخارجية. وسقوط الأسد من دون خطة انتقالية يشكل بالنسبة للغرب نصرا باهظ الثمن، أي بداية لحمام دم أعظم.
وترى أنه لا يوجد مصداقية لأي خطة من دون التزام القوات الأجنبية بفرض وقف اطلاق النار وحماية الأقليات المهزومة التي دعمت نظام الأسد. وإلى أن تبدأ أميركا وحلفاؤها في الشروع في العمل مع روسيا والأطراف الإقليمية، وتصبح جدية حيال كيفية تسوية أمر سقوط الأسد، فإن الصراع سوف يتصاعد، وكذلك التهديد للمنطقة.
