خطا الرئيس المصري دكتور محمد مرسي خطوة مهمة بتعيينه دكتور هشام قنديل وزير الري المصري السابق رئيس لمجلس الوزراء. وبينما يحاول تقوية الحكم المدني من خلال الفعالية في الحكم، فإنه سيحسن صنعا بالاستفادة من تجربة أميركا واسعة النطاق فيما يتعلق بالتحولات الرئاسية بدءا بثلاثة دروس مهمة.
أولا: يتعين على الرئيس المصري أن يتجنب "فخ" المئة يوم الأولى"، فمنذ المئة يوم الأولى الأسطورية التي أمضاها فرانكلين روزفلت في منصبه، أصبحت نجاحات الثلاثة أشهر الأولى بالنسبة للإدارة الأميركية بمثابة تاج يتوج به الرؤساء الأميركيون، فحقيقة الأمر أن الأيام المئة الأولى ينبغي أن تكون وقتا يكرس لبناء الأسس للإنجازات المستقبلية، وليس لمراكمة مكاسب تحدد المسيرة العملية للرئيس وتخصص لاستهلاك أجهزة الإعلام.
حمى المئة يوم
وقد امتدت حمى المئة يوم الأولى إلى مصر فيما يبدو، حيث وعد مرسي بتنفيذ ما يسميه بـ"مشروع النهضة" في الأشهر الأولى من رئاسته، بما في ذلك إصلاح الشرطة، تخفيف أزمة المرور، تحقيق نظام أفضل للصرف الصحي، تحسين إمدادات الخبز وتنظيم الإمداد بالوقود.
ومع تولي د. هشام قنديل لمقاليد منصبه، أورد تحقيق هذه الأهداف باعتبارها تشكل أولوية بالنسبة له، غير أن مثل هذه الأجندة الطموح تعد جهدا دونكيشوتيا وربما توجها خطرا في آن معا بسبب التوقعات المرتفعة التي تطلقها، وقد قام ناشطون مصريون بالفعل بإنشاء موقع على الإنترنت هو "مرسيميتر دوت كوم" لمتابعة كم من هذه الوعود حققها مرسي، وحتى الآن سجلوا تحقيق وعد واحد من إجمالي 64 وعدا.
حتى في الولايات المتحدة ، حيث قد يواجه الرؤساء كونغرس معاديا، وهو عامل تعسف تتراجع أهميته مقارنة بالبرلمان المصري الذي تم حله من قبل قيادة عسكرية مصرة على موقفها ومحكمة دستورية عليا تقف بقوة وراء أحكامها، غالبا ما يحبطك الواقع السياسي ومبادرات الفترة الرئاسية المبكرة. وقد عانى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون من نكسات مبكرة فيما يتعلق بـ" لا تسأل ، لا تتحدث" وكذلك فيما يتعلق بحزمة تحفيز اقتصادية غير شعبية.
وخاض جورج بوش معركة خيار دامية لتعيين السياسي الذي اختاره وزيرا للدفاع وهو جون تاور الذي رفضه مجلس الشيوخ في نهاية المطاف. وربما من المدهش أن الافتقار إلى أجندة طموح كان هو ما اتسمت به المئة يوم الأولى من رئاسة رونالد ريغان. وهو الأمر الذي أعده بشكل جيد لإنجازات المستقبل.
ثانيا: يتعين على د. مرسي أن يلزم الحذر حيال التزامات الحملة الانتخابية، وذلك أنه في حمى القيام بالحملة الانتخابية من المحتم أن المرشحين للرئاسة سيقولون أشياء تبدو بعيدة عن تشكيلة سياسة سليمة، وهذه هي الحياة السياسية في مسارها المعتاد في الأنظمة الديمقراطية الناضجة والناشئة على حد سواء. وتأتي أعظم أخطاء الرؤساء الجدد ليس من الوعود غير الموفقة في الحملة الانتخابية، وإنما من الالتزام بهذه الوعود لدى مواجهة واقع الحكم.
غلطة بالغة الخطورة
تعد مثل هذه الغلطة بالغة الخطورة في مجال السياسة الخارجية، فالرئيس مرسي قد استخدم في سباقه للفوز على منافسه أحمد شفيق خطابا مناوئا لإسرائيل، حيث اتهمها بانتهاك كامب ديفيد، وأكد أنه: " ليس من الممكن لبلد ذي خمسة ملايين نسمة أن يهدد 90 مليون نسمة" وكان جالسا على المنصة في تجمع كبير بينما كان أحد مساعديه يعد الجمهور بأن "مرسي سيحرر غزة".
ويرى المراقبون أن المضي إلى مدى أبعد بمثل هذه الطروحات في إطار مواجهات مع إسرائيل سيكون أمرا إشكاليا إلى حد كبير في ضوء الوضعية الراهنة للاقتصاد المصري، وحاجة مصر الماسة إلى المساعدة الدولية، والحالة المتوترة بالفعل التي تعيشها منطقتها.
ويشير المراقبون إلى أن د.مرسي سيكون حكيما إذا تجنب الخطأ الذي وقع فيه الرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي الذي وعد خلال حملاته الانتخابية بأن يكون أشد صرامة من الرئيسين أيزنهاور ونيكسون فيما يتعلق بكوبا وانتهى به الأمر على الرغم من حكمته إلى تنفيذ عملية غزو خليج الخنازير التي منيت بفشل ذريع.
ثالثا: يتعين على الرئيس المصري الجديد أن يخطب ود البيروقراطية، ذلك أن البيروقراطيين هم بمثابة المحركات التي تدفع التنفيذ السياسي قدما، ولكن غالبا ما تتجاهلهم الإدارات الجديدة. ويحرص مراقبو الوضع في مصر على التدقيق في التشكيل الوزاري الجديد ولكن الوزارات في النهاية يشغل مناصبها بيروقراطيون مدنيون ويتابع عملها إعلاميون حكوميون يحسمون مصير المبادرات المختلفة.
وقد استوعب الرئيس الأميركي الأسبق هذا الدرس بطريقة قاسية، فبعد اجتذابه للناخبين بوضعيته كغريب عن واشنطن، حاول أن يعيد تشكيل البيروقراطية الفيدرالية الأمر الذي أسفر عن اغتراب متبادل ترك بصمته على أجندته.
وكانت هذه الديناميكية ضارة بصفة خاصة بأجندته المتعلقة بحقوق الإنسان التي لم يقدر لها التماسك قط بعد أن تمت تنحية مؤسسة السياسة الخارجية المحترفة جانبا بفعل دعمه لسلطة صنع القرار عبر أجهزة الأمن القومي في ظل وجود زبيغنيو بريجنسكي في البيت ألأبيض.
والعلاج لهذه لمشكلة هو التقارب مع البيروقراطية. فالبيروقراطيون هم على وجه التقريب المصدر الوحيد للمعرفة الخبرة المؤسستين، وهم يتمتعون بطمأنينة كبيرة في عملية الانتقال الناجحة.
وقد أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى اهميتهم بغرس فرق مراجعة في الوكالة التنفيذية خلال الفترة السابقة على استهلال رئاسته. وذلك لتحقيق المعرفة البيروقراطية فور توليه منصبه. وقد قامت السيدة الأميركية الأولى بالإعلان عن حسن النوايا من خلال قيامها بزيارات للوكالات الفيدرالية في مستهل رئاسة زوجها.
استلهام الديمقراطية
إن الرئيس المصري الجديد ليس الزعيم الوحيد الذي يحاول أن يستلهم ديمقراطية وليدة من قلب ظلال حكم دكتاتوري، حيث إن السياسيين التونسيين والليبيين يواجهون تحديات انتقالية مماثلة. وعلى الرغم من أن المنتقدين في كل مكان مولعون بالإشارة إلى الجوانب غير الجذابة في الديمقراطية الأميركية، فإن عملية الانتقال السلمية المتكررة للسلطة بين المتنافسين السياسيين تعد من أكثر الفعاليات إثارة للإعجاب في الحياة السياسية الأميركية وهذا التقليد القوي يقدم دروسا بالغة الأهمية للأنظمة الديمقراطية الجديدة التي ولدت من رحم الربيع العربي.
