تعد حكومة د. هشام قنديل رئيس الوزراء المصري الجديد التي أعلن عن تشكيلتها الكاملة أخيرا، والتي لفت الأنظار فيها أنه بالإضافة إلى قنديل هناك عدد من الوزراء كانوا في التشكيلة الحكومية السابقة- يعد ذلك تذكيرا مريرا بأن الثورة في مصر أبعد ما تكون عن الاكتمال.

أسوأ التوقعات

لقد برهن الرئيس المصري د. محمد مرسي ،وهو أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا، على أنه في مستوى أسوأ توقعات المراقبين، فهو ربما يكون من القيادات القديمة في جماعة الإخوان المسلمين ، وربما يكون برلمانيا يتمتع بخبرة كبيرة، ولكن اختياره لرئيس الوزراء الجديد يؤكد ما ظنه الكثيرون، وهو أنه يفتقر إلى الخيال المحلق واللماحية.

الأمر الأسوأ من ذلك هو أنه فيما يبدو لم تكن لديه القدرة على تحقيق قطيعة واضحة مع المؤسسة القديمة، وربما ذلك ليس بوسعه، فالتشكيلة الوزارية تعكس اختيار عدد من الوزراء المنتمين إلى مجلس الوزراء السابق ، وهو المجلس الذي شن حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين حملة ضده قبل أشهر قلائل، ولكنهما فشلا في إخراجه من السلطة عن طريق الاقتراع بعدم الثقة فيه.

إذا كان هذا هو أفضل ما استطاع د. محمد مرسي أن يجيء به بعد مشاورات استغرقت أسابيع عدة ، فإن السؤال الكبير هو ما الذي ستقوم به "أول حكومة للثورة " في مصر؟

دخول التاريخ

تمثلت إحدى الطرق التي دخل بها هشام قنديل التاريخ في أنه أصغر من تولى منصب رئيس الوزراء في مصر سنا، كما كان أول رئيس وزراء مصري يطلق لحيته، الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كان في حقيقة الأمر منتميا إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وكان دكتور قنديل واضحا منذ البداية، حيث قال قبل إعلان تشكيلته الوزارية إنه سيبقي على بعض الوزراء في مناصبهم، لكن قلائل هم الذين يعتقدون إنه كان صاحب القرار النهائي في هذا الشأن. على سبيل المثال لم يكن اختيار شاغل منصب وزير الدفاع أمرا متروكا له، حيث واصل محمد حسين طنطاوي شغل هذا المنصب.

إعادة التدوير

لقد توقف الكثير من المراقبين عند اختيار د. قنديل الذي شغل منصب وزير الداخلية، حيث لوحظ تجنبه لإعادة تدوير الأسماء القديمة في دوائر الأمن، الأمر الذي يشير إلى أن مصر لا تمضي بالضرورة على طريق إعادة إنتاج السياسات القديمة التي أخفقت في علاج مشكلاتها المتراكمة.

كان رئيس الوزراء المصري الجديد قد شق طريقه في إطار القطاع العام المصري، وهو ليس بالشيء الذي يضفي مصداقية كبيرة على سياسي يفترض أن يضع بلاده على طريق "النهضة"، وهي الكلمة التي رددها الرئيس مرسي كثيرا في حملته الانتخابية، ذلك أن من يرتقون المناصب عبر بيروقراطية الدولة هم بطبيعتهم من يميلون إلى الاتفاق مع رؤسائهم دائما ، كما أنهم محافظون للغاية وأبعد ما يكونون عن الديناميكية، بينما ما تحتاجه مصر الآن هو نقيض ذلك تماما.

والأمر الأكثر من ذلك هو أن قنديل واصل اتباع العرف المصري القائم على اختيار الأكاديميين لشغل المناصب الوزارية، حيث يتم اختيار أستاذ جامعي في الهندسة لشغل منصب وزير الزراعة، وأستاذ في الطب لشغل منصب وزير الصحة الخ.. وهي ممارسة قديمة وتفتقر إلى المصداقية تعود إلى زمن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي لم يكن يريد السياسيين وإنما كان يريد تكنوقراط منفذون للأوامر التي يتلقونها.

وعقب الكاتب والباحث المصري المعروف د. جلال أمين على هذه الظاهرة قائلا إنه بينما يعد الأكاديميون أناسا يميلون إلى التأمل، فإن السياسيين هم رجال عمل وحركة، وأضاف إن الأكاديميين الذين برهنوا على أنهم سياسيون جيدون، كانوا في واقع الأمر أكاديميين متوسطي العيار وسيئين بالنسبة للمجال الذي اختيروا خصيصا لقيادة المناصب الوزارية المعنية بهم.

 

 

تذكار مرير

 

يثير اختيار د. محمد مرسي لرئيس وزراء جديد من الحكومة القديمة مجددا التساؤل عما إذا كان حقا مطلق اليد في القرارات التي يتخذها.

ويعد اختياره للدكتور قنديل رئيسا للوزراء تذكارا مريرا بالنسبة لمؤيدي الثورة بأنها لا تزال بعيدة عن الاكتمال، وستظل كذلك طالما أن الفئة المختارة القديمة في الجيش والشرطة والقيادات العليا لا تزال في مقاعدها، فالدكتور مرسي لا يستطيع أن يكون رئيس الثورة ويواصل الاعتماد على الحرس القديم. والتعايش بهذا الشكل على الطريقة المصرية سيبرهن على أنه وصفة لمسيرة بطيئة في أفضل الحالات، وللشلل في أسوأ الحالات.