تعد عملية التخلص من "بوزيلاي" رئيس الحزب الشيوعي الصيني في إقليم "تشونغتشينغ" أكثر الأزمات السياسية الرئيسية خطورة في الصين خلال العقود الأخيرة. فما بدا أشبه بنظام مستقر نسبياً للانتقال السياسي، بفترتي ولاية تتكون كل منهما من خمس سنوات بالنسبة لكبار القادة، ألقي به في حالة من الفوضى.
أو هكذا يقال لنا. مثل هذه التنبؤات بانهيار النظام السياسي في الصين تتكرر باستمرار منذ قمع الانتفاضات المؤيدة للديمقراطية في عام 1989. ولكن لم ينهر النظام حينئذ، و لن ينهار الآن.
السبب الرئيسي في أن مثل هذه التنبؤات الكئيبة تؤخذ على محمل الجد، خاصة في الغرب، هو أن الأنظمة غير الديمقراطية ينظر إليها على أنها تفتقر إلى الشرعية. النظام السياسي الذي له ما يبرره أخلاقياً في أعين الناس يجب أن يتم اختياره من قبل الشعب. وفي حالة الصين، فإن القيادة السياسية هي نخبة مختارة ذاتياً. ومثل هذه الحالة في الحكم هشة، كما أظهر الربيع العربي.
كيف يمكن أن تكون الحكومة الصينية قد تمكنت من تحقيق مستوى عال من الشرعية السياسية دون اعتماد انتخابات تنافسية حرة ونزيهة لاختيار قادة البلاد؟ أياً كان المدى الذي يبدو به الأمر غامضاً بالنسبة للغربيين، أن الحكومة الصينية نجحت من خلال الاعتماد على مصادر غير ديمقراطية للشرعية.
المصدر الأول
يمكن تسمية المصدر الأول للشرعية غير الديمقراطية بأنه شرعية الأداء، وهذا يعني أن الأولوية الأولى للحكومة ينبغي أن تكون الرفاه المادي للشعب. تتأصل هذه الفكرة بجذور طويلة في الصين، حيث قال كونفوشيوس نفسه إن الحكومة يجب أن تجعل الناس مزدهرين، والحزب الشيوعي الصيني وضع أيضاً مسألة التخفيف من حدة الفقر على رأس جدول أعماله السياسي.
وبالتالي، فإن الحكومة تستمد الكثير، إن لم يكن معظم، شرعيتها من خلال قدرتها على توفير الرفاه المادي للمواطنين الصينيين. فقد زاد متوسط العمر المتوقع للشعب الصيني بشكل كبير، وربما شهد عصر الإصلاح أكثر إنجاز لتخفيف حدة الفقر إثارة للإعجاب في التاريخ، مع انتشال عدة مئات من الملايين من الأشخاص من براثن الفقر.
المصدر الثاني
يمكن تسمية المصدر الثاني للشرعية غير الديمقراطية بالجدارة السياسية، وهي فكرة تقوم على أن القادة السياسيين يجب أن تكون لديهم ما يفوق المتوسط من القدرة على إصدار أحكام سياسية مستنيرة أخلاقياً. فهي لديها أيضاً جذور تاريخية عميقة. وفي الصين الإمبراطورية، فقد أثبت المسؤولون من الأوساط العلمية قدرتهم في نظام اختبار نزيه ومفتوح، وبالتالي تم منحهم قدراً غير مألوف (وفقاً للمعايير الغربية) من الاحترام و السلطة و الشرعية.
لقد أظهرت دراسات سياسية أن الصينيين لا يزالون يؤيدون الرأي القائل إنه من الأكثر أهمية أن يكون هناك سياسيون من ذوي الحنكة الذين يقومون على احتياجات الشعب أكثر ممن يخشون أن الترتيبات الإجرائية تضمن حقوق الشعب في اختيار قادته. وفي العقود الأخيرة، زاد الحزب الشيوعي الصيني شرعيته عن طريق تحويل نفسه إلى منظمة سياسية أكثر جدارة، مع التأكيد مجدداً على إجراء الاختبارات والتعليم كمعايير للقيادة السياسية.
المصدر الثالث
المصدر الثالث للشرعية غير الديمقراطية هو النزعة القومية. يمكن تسمية جزء مهم من الشرعية على أنه "الشرعية الأيديولوجية"، حيث يسعى النظام إلى أن ينظر إليه على أساس مبرّر أخلاقياً في أعين الناس وفق بعض الأفكار التي يعبر عنها في نظامه التعليمي والخطب السياسية والسياسات العامة. لقد تأسس الحزب الشيوعي الصيني بالطبع على مبادئ ماركسية، ولكن المشكلة هي أن عدداً قليلاً يؤمنون بالمثالية الشيوعي. وبالتالي، فقد تحوّل النظام على نحو متزايد إلى نزعة قومية لتأمين "شرعية أيديولوجية".
إن النزعة القومية لها جذور أكثر حداثة في الصين، ففي الصين الإمبراطورية تميل النخب السياسية لتصور "بلادهم" على أنها مركز العالم.
لكن هذه الرؤية انهارت عندما كانت الصين خاضعة لعمليات التوغل من القوى الاستعمارية الغربية في منتصف القرن العشرين، مما أدى إلى "قرن من الإذلال" على أيدي قوى أجنبية. وضع الحزب الشيوعي الصيني نهاية رمزية لسوء المعاملة والترهيب من قبل قوى أجنبية مع قيام دولة آمنة نسبياً في عام 1949، وهي تذكّر الصينيين باستمرار بوظيفته باعتباره حارساً للأمة الصينية.
باختصار، لا ينبغي أن يكون مدهشاً أن الحزب الشيوعي الصيني ينظر إليه على نطاق واسع على أنه شرعي في نظر الناس، ومن خلال الحيلولة دون وقوع أحداث غير متوقعة فلا يوجد أي مبرر لتوقع انهيار وشيك للنظام. لكن الكلمة الأساسية هي "وشيك". في غياب الإصلاح السياسي الكبير، فإن المصادر غير الديمقراطية للشرعية السياسية ربما لا تكون مستدامة على المدى الطويل.
تختلف شرعية الأداء باختلاف الظروف الاقتصادية. المتشائمون في الصين كثيراً ما يشيرون إلى أن النظام سيكون في ورطة بمجرد أن يتعرض الاقتصاد لوعكة. لكن هذا الرأي قد لا يكون صحيحاً. فإذا اعتبر حكام الصين أنهم أفضل الحكام للاقتصاد في أوقات الأزمات، ربما تزيد شرعيتهم في الواقع.
