هناك أمور قلائل توضح بشكل أفضل الفارق بين حالة اقتصاد الصين وحالة بقية العالم أكثر من الحقيقة القائلة إن نمو ناتجها المحلي الإجمالي الذي أعلن عنه أخيراً بمعدل 7.6٪ تم تحليله على أنه تباطؤ. ففي أي اقتصاد كبير آخر قد يعتبر هذا نموا محموماً شديدا ينذر بالاحتدام. وبدلا من ذلك، فمن الواضح أن الصين لديها مجال لمزيد من إجراءات التحفيز في النصف الثاني من العام.

في الواقع، ففي الوقت الذي بدأت الأزمة المالية العالمية تتكشف، كانت هناك مفارقات قليلة أكثر وضوحاً من تلك التي كانت بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لقد جمعت أوروبا بين سياسة نقدية متساهلة وبين التحفيز الضئيل أو المعدوم في الاقتصاد المتعلق بالإنتاج، المتمثل في نهج "التقشف".

كانت النتيجة أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي انكمش بنسبة 2٪ على مدى أربع سنوات، وانكمش في بريطانيا بنسبة 4.4٪. وجمعت الولايات المتحدة بين سياسة نقدية متساهلة وبين الحافز الاستهلاكي الذي تم تحقيقه عن طريق العجز في الميزانية.

وماذا كانت النتيجة؟ لقد نما الاقتصاد الأميركي بمعدل 1.2٪ خلال أربع سنوات. وشهدت الهند، التي اتبعت النموذج الأميركي في عجز الميزانية لتقديم التحفيز الاستهلاكي، تراجعا في النمو من 9.4٪ في الربع الأول من عام 2010 إلى 5.3٪ في الربع الأول من عام 2012.

وفي الوقت نفسه شهدت الصين، التي تجمع بين السياسة النقدية التوسعية وحافز الاستثمار الذي قادته الولايات المتحدة، متوسط نمو سنوي بأكثر من 9٪ طوال السنوات الأربع من الأزمة المالية.

أزمة عميقة

وفي مواجهة أداء الصين، فقد ساد اعتقاد يدعي بأن الصين "على وشك تجاوزت إمكاناتها"، وهي تعاني أزمة اقتصادية عميقة. يعد نورييل روبيني حالياً مدافعاً قوياً عن هذا التحليل، على الرغم من أنه قد تم تقديمه في الماضي من قبل الذين لديهم وجهة نظر أكثر انتقاداً للسياسة الاقتصادية الغربية، مثل لاري إليوت من صحيفة "غارديان".

ولسوء الحظ بالنسبة لهذه الأطروحة، فقد واصل أداء الصين خلال الأزمة المالية العالمية اتجاهاته الاقتصادية على المدى الطويل. وبلغ متوسط النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي الصيني منذ بدء الاصلاحات الاقتصادية في عام 1978 معدل 9.9٪.

فالصين لديها أسرع معدل نمو في العالم من حيث عدد الأسر والاستهلاك الكلي، أي الخدمات الحكومية بما في ذلك التعليم. وكما أشار البروفيسور داني كواه، من مدرسة لندن للاقتصاد، فقد تمكنت الصين من انتشال أكثر من 620 مليون شخص من براثن الفقر المحدد دولياً، ما أسهم في التراجع العالمي الكلي لأرقام الفقر. ويشكل هذا الرقم أكثر من عدد سكان الاتحاد الأوروبي أو أميركا اللاتينية.

استجابة عقلانية

وبمواجهة مثل هذا النمو الاقتصادي الهائل والتحسن في ظروف المعيشة الإنسانية فإن الاستجابة العقلانية ستكون دراسة هذه القضية باهتمام لمعرفة ما يمكن أن نتعلمه من هذا النجاح.

لكن بدلاً من ذلك، تم وضع نهج جديد وغريب، وهو أن الصين أكثر نجاحا اقتصادياً من بقية دول العالم ولذلك لا بد من أن تكون السياسات الاقتصادية للصين هي الخاطئة!

وللتعبير عن هذا على نحو أكثر دقة، فإن البنية الاقتصادية للصين تختلف اختلافاً كبيراً عن معظم دول العالم. فهي لديها مستوى أعلى من الاستثمار وقطاع حكومي أكبر بكثير من معظم الاقتصادات.

ولكن بدلاً من التوصل إلى نتيجة بأن بقية العالم يجب أن يتحرك نحو تبني النموذج الهيكلي في الصين، من خلال زيادة الاستثمار وتوسيع القطاع الحكومي، بدلا من ذلك على ما يبدو أن الصين ينبغي عليها أن تأتي بنيتها الاقتصادية متماشية مع بقية العالم، ومما لا شك فيه يتعين عليها أن يصل معدل النمو والقضاء على الفقر إلى معدل الأكثر بطئاً نفسه.

في الواقع، بعيداً عن كونها ضعيفة أو غامضة، فإن السياسة الاقتصادية للصين متماسكة وقوية للغاية ويمكن فهمها بسهولة على حد سواء في الإطار الماركسي المستخدم من قبل مؤسس الصين "دنغ شياو بينغ"، أو على النحو المنصوص عليه في علم الاقتصاد الغربي.

دنغ شياو بينغ هو أبعد ما يكون عن التحليل الماركسي الأكثر كلاسيكية من تحليل ستالين الذي ورثه الاتحاد السوفييتي، وهو النموذج الذي تم فيه القضاء على السوق في خطوة واحدة من خلال الخطة الخمسية لعام 1929. يتسم الكثير من تحليل دنغ بأنه بمثابة التعليق على كتابة ماركس الأكثر استفاضة في ما يتعلق بالمجتمع الاشتراكي، كتابه النقدي لبرنامج غوتا.