وسط كل العنف الجاري في سوريا، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق يتجسد في احتمالين: قيام الرئيس السوري بشار الأسد بنشر ترسانة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي تزعم حكومته أنها بحوزتها، أو تزويده الإرهابيين بها، وهي مسألة ترتبط بالعراق على نحو يفوق ما يتصوره كثيرون.
مخزونات مزعومة
وهناك ما يشير إلى إمكانية أن تكون بعض المخزونات المزعومة لنظام الأسد قد أتت من جهود اللحظات الأخيرة للرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 2002، لإخفاء ترسانته من أسلحة الدمار الشامل في سوريا المجاورة له.
وكان عدد من ضباط الجيش العراقي المتقاعدين قد أفادوا بهذا القدر من المعلومات، وعلى الرغم من أن هذه المسالة قد قوبلت بإهمال بالغ أو باستخفاف من قبل وسائل الإعلام الأميركية، إلا أن مدير الاستخبارات الحالي، جيمس كلابر، كان قد عبر عن اعتقاده منذ مدة طويلة بحدوث عملية انتقال للأسلحة شبيهة بتلك.
وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قد ركزت اهتمامها على أسلحة الدمار الشامل لتبرير غزو العراق، في حين أنها تجاهلت اكثر من 20 أمراً قضائياً يتعلق بإزاحة صدام، إثر تفويض من الكونغرس في شهر أكتوبر 2002.
وهذا الهوس عاد ليلاحق جورج بوش عندما لم يتم العثور على مخزونات أسلحة الدمار الشامل المنتشرة في مرحلة ما بعد الحرب في العراق. وبحلول عام 2006، كان مسلسل التهم لليسار المناهض للحرب يتلخص في "كذب بوش ومات الألوف". لكن لم تمر فترة طويلة بعد، ويمكن في النهاية أن تظهر مثل هذه المخزونات في سوريا أخيرا.
رواية أخرى
وتتمثل رواية أخرى مهمة من العقد الماضي في عدم كفاءة الإدارة في إعادة بناء العراق. وكثير من الأميركيين تساءلوا كيف سمح القادة المدنيون والعسكريون لنصر باهر على صدام تم إحرازه في ثلاثة أسابيع بأن ينحدر إلى تمرد كارثي دام خمس سنوات قبل أن تنقذ خطة زيادة عدد القوات الأميركية العراق في النهاية.
ولقد تم تناسي أن مثل هذا القتال وإعادة البناء في الشرق الأوسط يعد مهمة صعبة في كل مكان وفي ظل أية ظروف. ولقد فضلت الصحافة بدلا من ذلك أن تتهم بوش وديك تشيني ودونالد رامسفيلد بعدم الكفاءة الفردية أو بارتكاب أعمال غير مشروعة ومنافية للقانون، أدت إلى تكاليف غير ضرورية في الدم والمال الأميركي.
تحديث السيناريو
لكن قد يحتاج هذا السيناريو إلى تحديث. فكتاب الصحافي راجيف تشاندراسيكاران "أميركا الصغرى: الحرب داخل الحرب من أجل أفغانستان" هو انتقاد قاس لسلوك إدارة أوباما على مدى السنوات الثلاث في الحرب الأفغانية وقرارها زيادة عدد القوات، وتأريخ لجملة من القرارات الحمقاء والخلافات التافهة والغطرسة والسذاجة. وفي كتاب سابق للكاتب نفسه عن العراق، يزعم أن مآزق أميركا في العراق كانت نتيجة لإدارة أميركية خرقاء مماثلة.
فهل المراسل الصحافي العالم بكل الأمور كان محقا حينها حول العراق أم هل هو الآن محق حول أفغانستان، أم أنه على خطأ في الحالتين أم على صواب؟ وهل ستعيد وسائل الإعلام النظر بانتقاداتها السابقة وتقر بأن مشكلات أميركا في خوضها حروبا صعبة في الشرق الأوسط تكمن في الاختلافات الشاسعة بين الثقافات.
وهي عبارة عن خطوط متصدعة حيرت أيضا حتى الرئيس الأميركي باراك أوباما، الرجل العالمي المشهود له والحائز على جائزة نوبل الذي كان من المفترض أن يكون حساسا بشكل خاص للتقاليد في ذاك الجزء من العالم؟
في عام 2008، قيل إن هجمات الطائرات الموجهة عن بعد وعمليات الترحيل السرية والاعتقالات الوقائية والمحاكم العسكرية ومعتقل غوانتانامو وخطة زيادة عدد القوات كانت جميعها رموزا لازدراء بوش للدستور وعدم نجاحه كقائد عام للقوات العسكرية.
لكن في 2012، فإن هذه البروتوكولات المستمرة نفسها لا تمثل الشيء نفسه، لكنها بدلا من ذلك توصف بأنها أدوات مفيدة لمحاربة الإرهاب، كما يراها الرئيس أوباما.
وعلى الرغم من كل أشكال التحيز الذي تتصف بها حكومة نوري المالكي المنتخبة في العراق وعدم كفاءتها، إلا أن الدكتاتورية الأسوأ في الشرق الأوسط تبدو الآن وقد أصبحت الحكومة الدستورية الأكثر استقرارا في المنطقة.
وأخذا في الاعتبار الانتخابات في العراق، فان البلاد لم تمسها نسبيا انتفاضات "الربيع العربي " الجماهيرية. وعلى الرغم من العنف القاتل بين الجماعات في العراق وإعادة بروز تنظيم القاعدة، إلا أن الاقتصاد العراقي بالمقارنة مع الدول الأخرى في الشرق الأوسط يعد مستقرا ومتناميا.
والإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين كان من المفترض أيضا أن تحدث تخبطا في اطار الاستراتيجية العليا، معززا قوة أعداء أميركا في المنطقة. ويصح القول إن الإطاحة بصدام وما تلا ذلك من اندلاع للعنف كان يمكن أن يؤدي إلى ذلك على المدى القصير، لكن ماذا كان سيحصل عن المدى البعيد بعد مرور تسع سنوات؟
والمغزى من هذه القصة هو أن التاريخ لا يمكن كتابته فيما هو يتكشف، وفي حالة العراق، فإننا لا نعرف قصة أسلحة الدمار الشامل كاملة، والتأثيرات الاستراتيجية الهائلة للحرب العراقية، وتأثيرات تشكيل جمهورية عراقية، أو درجة عدم الكفاءة النسبية لأي إدارة أميركية في حالة حرب في الشرق الأوسط، ولن نعرف كل تلك الأمور لسنوات عدة.
التأثير الغامض
يرى الكاتب فيكتور ديفز هانسون أن عائلة الأسد يبدو أنها تسير على طريق الرئيس المصري السابق حسني مبارك في مصر، والرئيس التونسي زين العابدين بن علي في تونس، والرئيس الليبي السابق معمر القذافي في ليبيا.
ويتساءل قائلا: "من يدري، فربما كان سقوط صدام ومحاكمته وتنفيذ حكم الإعدام به، إلى جانب إيجاد حكومة عراقية دستورية، قد اطلق سلسلة بطيئة من ردود الفعل شبيهة في وجه الطغيان العربي".
