جاءت الانفجارات الأخيرة في العراق بعد يوم من تحذير المنتسبين إلى تنظيم القاعدة هناك من أنهم يستعدون لهجوم جديد، والانفجارات المنسقة التي بلغ عددها ثلاثين انفجاراً بالإجمالي، حطمت الرواية الحكومية التي تزعم القضاء على المجموعات الإرهابية، وتركت شعوراً بالقلق العميق.
وقد جاءت الانفجارات الأخيرة في أعقاب هجومين آخرين وقعا في الأسابيع الستة الأخيرة، مما أظهر السهولة التي يمكن بها التخطيط لمجازر في العراق، بعد اكثر من سبعة شهور على الانسحاب الأميركي.
قوة صاعدة؟
والجماعة المعروفة باسم "دولة العراق الإسلامية" هي المتهم الرئيسي، وتحذيرها قبل الهجوم يشير إلى كونها لا تحاول إخفاء دورها بوصفها قوة صاعدة مجددا، في الهجمات.
وعلى ما يبدو، فإن سنوات من تعرضها للضرب على يد القوات الأميركية والعراقية لم تقلص من عزمها على شفاء غليلها والحاق دمار طائفي، وعلى أن تصبح مجددا التأثير المتفشي القاتل الذي كانت عليه خلال الفترة من عام 2004 حتى عام 2007.
ولقد تركزت الهجمات قرب المعقل الذي اتخذته الجماعة لنفسها خلال تلك السنوات الدموية، رقعة من العراق شمال بغداد، التي يقول أحد أعضاء "دولة العراق الإسلامية" أخيرا أن الجماعة تحاول استعادتها.
وبحلول منتصف بعد الظهر من ذلك اليوم الدموي، انتشرت التفجيرات وعمليات إطلاق النيران على امتداد وسط البلاد، ووصلت إلى بغداد نفسها، وامتدت إلى مناطق ساخنة كانت قد احتلت مسرح الأحداث خلال الحرب الطائفية في العراق.
ولقد انتهت الهجمات قبل أن يحل موعد الظهر، على ما يبدو في سبيل الاستفادة من بداية النهار البطيئة في العراق خلال شهر رمضان، حيث ينام الكثيرون خلال ساعات الصباح.
والهجمات كانت خطرة بما فيه الكفاية بمعزل عما يحيط بها، وما يثير القلق فعلا هو الأثر المهدد للاستقرار في تلك البلاد التي كانت تظهر إشارات على التغلب على واقع عميق من عدم الثقة بين جماعاتها، كذلك واقع أن الأمل بالتأثير الوحدوي للدولة، في مرحلة ما بعد الحرب، لم يكن قادرا على وقف عمليات الذبح المتعددة في المدينة.
لكن الأحداث الأخيرة تأخذ منظورا اكثر خطورة، إذا ما جرى النظر إليها من خلال منظور باقي محن المنطقة، فسوريا المجاورة تنحدر بسرعة نحو حرب شاملة، وهناك خطر حقيقي من انتقال الطائفية إلى المنطقة التي كانت تتصلب مواقفها على مدى الشهور الثمانية الأخيرة.
الفراغ المتنامي
وعلى الرغم من أن الانتفاضة السورية دفع بها بشكل كبير سكان سئموا العيش في ظل الدكتاتورية، إلا أن هناك تساؤلات متزايدة عما إذا كان هناك عنصر متطرف بإمكانه أن يناور للوصول إلى مركز الصدارة.
وزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري لم يخف وجهة نظره، حين قال إن الانتفاضة السورية تشكل فرصة للجماعة وفروعها، وإنهم يرون ثورات الربيع العربي كفرصة لهم للتقدم.
وتتفق جماعة "دولة العراق الإسلامية" معه، كما يبدو بوضوح، ويعتقد ضباط استخبارات في كل من العراق وبريطانيا وأميركا بأن مقاتلين دوليين متمرسين في القتال عبروا من العراق إلى سوريا، مستخدمين الطرق نفسها التي استخدمها مسلحون زملاء لهم عندما كانوا يعبرون في الاتجاه المقابل.
وجماعات مثل تنظيم القاعدة تزدهر في وسط الفراغ السياسي، وما إذا كان هذا الأمر مرسوما مسبقا أو نتيجة لا مفر منها للهرج والمرج الذي يأتي به انهيار نظام صارم، فان هذا الفراغ يتحول سريعا إلى قلق كبير في سوريا وما وراءها.
يقول أحد كبار ضباط الاستخبارات العراقيين أخيرا: "لن اسمح بجعلها لحظة فوز لهم، لن يفوزوا هنا أو في سوريا، ونحن لا نستطيع تحمل جعلهم يسيطرون على الأوضاع مجددا".
خسائر فادحة
تكبد الاحتلال العسكري الأميركي للعراق خسائر فادحة في الأرواح بمصرع 4488 جنديا أميركيا بينهم 300 من جنود التحالف، بالإضافة إلى قتلى كثر بين المدنيين العراقيين يقدر عددهم بالملايين، وعملية احتساب الأرقام الحقيقية لا زالت جارية إلى الآن.
ولقد جمع تقرير صادر حديثا أرقام القتلى المدنيين "المنسيين"، التي تحتسب القوة العاملة المدنية الأجنبية التي أرسلت إلى البلاد للمشاركة في إعادة بناء الدولة.
ويضع مكتب المفتش العام الخاص لإعادة إعمار العراق "سيجير" عدد القتلى بينهم خلال الاحتلال ب 719، لكنه أقر بأن عدد القتلى هو بكل تأكيد أعلى بكثير من ذلك. وفيما الوفيات العسكرية الأميركية تم تعدادها في وسائل الإعلام ، فان العمال المدنيين بالكاد جرى ذكرهم.
وهذا الرقم لا يشمل عدد القتلى الإجمالي الكبير بين "المتعهدين"، حيث لا يشمل المتعهدين العاملين في مختلف القدرات العسكرية، وهؤلاء تكبدوا خسائر في الأرواح تعادل أرقام القتلى بين العسكريين.
