تم التوصل للاتحاد الأوروبي من منظور الأمل، الأمل في أن يطرد الاندماج السلمي القائم على القانون أشباح الماضي في القارة ويرسخ المعايير والمؤسسات الديمقراطية في ثقافتها السياسية. لقد بات الأمل أقرب إلى التحقق مما يمكن لأي شخص أن يتوقعه منذ بدأت العملية قبل 60 عاماً.
لقد انتهى الكفاح الذي امتد قروناً حول السيطرة بين فرنسا وألمانيا. الأنظمة الفاشية التي حكمت البرتغال واسبانيا واليونان يوماً ما قد اختفت، وكذلك الأنظمة العميلة للاتحاد السوفيتي السابق التي حكمت 10 دول في أوروبا الوسطى والشرقية.
خطر ماثل
لكن هذه الإنجازات تواجه خطراً الآن. وبفضل أزمة منطقة اليورو، وخليط من التصلب السياسي والاضطرابات المالية التي رافقت ذلك، لم يعد بوسعنا التسليم بأن الديمقراطية في أوروبا هي الفعل المنجز. في البرتغال واليونان واسبانيا وايطاليا وايرلندا اكتشف الناخبون أن أسواق السندات لها مزيد من السطوة على مصائرهم أكثر مما لهم هم أنفسهم. وفي محيط أوروبا المضطرب تم تعديل خطاب أبراهام لينكولن الذي وجهه إلى غيتيسبيرغ: ربما تكون الحكومة من الشعب، لكنها تعمل لصالح وكالات التصنيف الائتماني.
يلوح وراء هذا الواقع الغاشم السؤال الأزلي بشأن مدى توافق الديمقراطية والرأسمالية، وكيفية حل التوتر الذي لا مفر منه بين الاثنين. هذه ليست أسئلة جديدة، لكنها أكثر إثارة للتوتر في أوروبا اليوم من أي وقت منذ عام 1945.
لقد أدى عجز الحكومات ذات السيادة في مواجهة قوى السوق العالمية إلى اللامبالاة والتطرف. وتراجعت نسبة المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي من 65% في عام 1979 إلى 43% فقط في عام 2009. وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة في بولندا اكترث أقل من نصف الناخبين بالتصويت، وفي المجر بلغت النسبة 46%.
وفي الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية في أبريل الماضي فاز اليمين المتطرف واليسار المتطرف بنسبة مجتمعة بلغت 29% من مجموع الأصوات الشعبية، أكثر من الرئيس الفرنسي المنهزم نيكولا ساركوزي أو المنتصر في نهاية المطاف، فرانسوا هولاند.
في الانتخابات التي جرت في اليونان في 17 يونيو الماضي، فاز جزب سيريزا اليساري المتطرف بنسبة 27% من الأصوات و حصل النازيون الجدد من حزب الفجر الذهبي على 7%.
وتعتبر رابطة الشمال في إيطاليا وحزب الحرية الهولندي وحزب القانون العدالة في بولندا وحزب الحرية النمساوي وحزب جوبيك في المجر بمثابة تنويعات تتمحور توجهاتها حول اليمين المتطرف نفسه. الفتور مثل مرض بطيء، و التطرف الشعبوي أشبه بسرطان عدواني. فهما يشكلان معا تهديداً عميقاً للديمقراطية الأوروبية.
السبيل الوحيد
بالتأكيد فإن المزيد من الحكم التكنوقراطي ليس الحل. فالحديث الحالي بشأن إقامة اتحاد مصرفي أو اتحاد مالي يمكن يشتت الجهود. والسبيل الوحيد للخروج من المأزق في أوروبا هو تشكيل اتحاد سياسي حقيقي. هناك اعتراض كثيراً ما يتردد مفاده أن هذا يعطي قوة أكبر للبيروقراطيين والمصرفيين في الاتحاد الأوروبي غير الخاضعين للمساءلة في بروكسل وفرانكفورت.
وهذا من شأنه، كما يقول المنتقدون، إن يقضي على سلطة البرلمانات والحكومات الوطنية المنتخبة ديمقراطياً، التي تعتبر بمثابة المكامن الوحيد للإرادة الشعبية.
لكن الاندماج الأوروبي قد مضى بالفعل إلى منحى أبعد من السلطات الوطنية فيا يتعلق بمراقبة نشاطه. وفي المناطق التي يحظى الاتحاد الأوروبي بالكفاءة، فإن معظم التشريعات قد تم الاستقرار عليها الآن على المستوى الأوروبي وإقرارها من جانب البرلمانات الوطنية.
علاوة على ذلك، تتسم السلطات الوطنية الأوروبية، بشكل فردي، بأنها أضعف من أن تضاهي تجمعات القوة المالية التي ولّدتها العولمة. والأمر لا يتعلق بأعضاء الاتحاد الأوروبي غير القادرين على مواجهة أسواق السندات فحسب، فالحكومات الوطنية تميل باستمرار لتعويض عجزها عن طريق انتزاع مزايا تنافسية من جيرانها. وتعد بريطانيا أكثر المسيئين في هذا الصدد.
فهي تصرّ على وجوب الحفاظ على السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي بما يتوافق مع مصالح بريطانيا، لكنها ترفض أن تدفع بنساً واحداً للمساعدة في منطقة اليورو.
الاتحاد السياسي ليس حلاً سحرياً. فكل شيء يعتمد على كيفية بنائه وما هي الأغراض التي تخدم القضية. يبدو من الواضح للغاية أن ميركل ترى الاتحاد السياسي كوسيلة لتأمين القارة على غرار نمط الاستقامة المالية الألمانية، أو بعبارة أخرى، نمط التقشف الذي تفرضه ألمانيا، والذي لن يؤدي إلا إلى مزيد من اللامبالاة والتطرف.
لكن إقامة اتحاد سياسي ليس من الضروري أن يكون فخاً تقشفياً على غرار النمط الألماني. لا يوجد قانون صارم يقضي بأن اتحاداً فيدرالياً ديمقراطياً، يستند بشكل لا لبس فيه على مبدأ السيادة الشعبية و يهدف إلى تعزيز المشاركة المدنية على جميع المستويات الحكومية، هو أبعد من حدود الاحتمال. تتمثل العقبات في الاستحياء والافتقار إلى الخيال والنزعة القومية ذات العقلية المحدودة، وليس المصير المتعنت.
الاقتصادي والدبلوماسي جان مونيه، و هو واحد من أعظم الفرنسيين من القرن الماضي، تغلب على تلك العقبات تحديداً قبل 60 عاماً، عندما أقنع حكومته باتخاذ الخطوة الأولى نحو ما أصبح بعد ذلك الاتحاد الأوروبي.
السؤال الكبير الآن هو ما إذا كان الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند، أو رئيس وزراء إيطاليا ماريو مونتي، سيكون لديهما النفوذ والإرادة لإقناع ميركل باتخاذ الخطوة الأولى نحو أوروبا ديمقراطية حقاً.
ألمانيا المستفيدة
ألمانيا ليست بعيدة عن الركب. فهي مستفيد رئيسي من منطقة اليورو، حيث منحت الصناعات التصديرية الألمانية الدعم لوجود عملة مقومة بأقل من قيمتها.
ولكن بدلاً من الاعتراف بأن ألمانيا و اقتصادات منطقة اليورو الأضعف لها مصلحة مشتركة في ازدهارها، يبدو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عازمة على إجبارها للدخول في دوامة التقشف والديون والمزيد من التقشف.
وفي ضوء كل هذا، فالأمر أشبه بمعجزة ألا تصل الموجة المتصاعدة للتطرف الشعبوي إلى المستويات التي وصلت إليها خلال عقد العشرينات والثلاثينات، لكن سيكون من الحماقة أن نفترض أن تستمر المعجزة.
