يتردد سؤال على امتداد العالم هذه الأيام هو كيف يمكن لبلد ذي اقتصاد محدود مثل اليونان أن يكون له مثل هذا التأثير الكبير على أوروبا ككل؟ إن المشكلة تتمثل في انعدام ثقة الجمهور في المشروع الأوروبي نفسه. فقد اكتشف المواطنون والأسواق فجأة أن اوروبا يمكن ان ترتد إلى الوراء، وأن الاندماج يمكن أن يتحول إلى تفكك وأن الصرح الأوروبي ليس قوياً كما كنا نظن.

كيف حدث هذا؟ إن الاندماج الاقتصادي والسياسي في أوروبا يبنى على توازن دقيق من ثلاثة عناصر هي: الانضباط والتضامن والشرعية. فالاندماج الاقتصادي يفترض إجراءات انضباطية مشتركة لتنظيم النشاط الاقتصادي وبث الثقة.

لكن نظراً لأنه يزيد من القدرة التنافسية، فإنه يتطلب التضامن أيضاً. لا يمكن للانضباط والتضامن أن يتماسكا إلا في فضاء من الشرعية، بمعنى إذا تولد شعور عام بين المواطنين بالانتماء. الاندماج السياسي يتعلق بمؤسسات مشتركة فعالة قادرة على بث هذا الشعور.

توازن جديد

على مدار60 عاماً من الاندماج، أخرجت الإرادة أو المصادفة صرح الاتحاد الأوروبي بعيداً عن توازنه، في كل مرة يحتاج إلى توازن جديد بين هذه العناصر الثلاثة. أظهرت أزمة اليورو أن مؤسسات الاندماج السياسي في أوروبا لا تتوافق مع الاندماج الاقتصادي الذي تم بناؤه.

لا يمكن أن يستمر هذا الخلل، و لا بد أن تظهر أشكال جديدة من التضامن والانضباط والشرعية. تتألف أزمة اليورو في الواقع من ثلاث أزمات، إحداها اقتصادية والثانية مؤسسية والثالثة شرعية.

فالعنصر الاقتصادي هو أحد الأعراض، وهو عبارة عن مزيج خطير من نقص القدرة على المنافسة، والمشكلات المالية والبنوك الهشة. أما العنصر المؤسسي فهو يعكس الخطايا الأصلية في تصميم الاتحاد النقدي، والمتمثلة في عدم كفاءة السلطات المركزية الأوروبية في الرقابة واتخاذ القرار وتقاسم المخاطر التي فشلت الإصلاحات الدستورية اللاحقة في التصدي لها.

وأخيراً، تعاني منطقة اليورو من أزمة شرعية في الدعم المتراجع للعملة الموحّدة، وبشكل أعم بالنسبة للمشروع الأوروبي.

جدل عقيم

لقد حقق الاتحاد الاوروبي بعض التقدم في حل الأزمة. وقبل بضعة أشهر، كان الجدل يدور حول مناقشة عقيمة: وهي التقشف أو المزيد من النمو؟ التضامن أو المزيد من الانضباط؟ في الواقع، إننا بحاجة لكليهما. لقد أسهم اعتماد الميثاق المالي في تحقيق الانضباط، وميثاق النمو من شأنه أن يوفّر أدوات جديدة للتضامن.

لكن إصلاح مؤسسات الاتحاد النقدي يتطلب المزيد، وهو التحرك نحو اتحاد مصرفي ومالي. ويتطلب الاستقرار في منطقة اليورو أشكالاً من تقاسم المخاطر، مثل التأمين على الودائع المشتركة. كذلك يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى موارد مستقلة، مثل فرض ضريبة على المعاملات المالية المشتركة، وضريبة المناخ وسندات المشروعات، من أجل تمويل خطتها للنمو.

في الآونة الأخيرة، برزت زاوية جديدة في النقاش حول أزمة اليورو. وهي المتعلقة بالاتحاد السياسي. ويمكن تحقيق إجراءات أكثر صرامة وتضامناً أكثر قوة من خلال تحقيق قفزة إلى الأمام في التكامل السياسي. فما هي ملامح الاتحاد السياسي الأوروبي؟ يتعين أن يقوم على أربعة أركان هي: الأسلوب المجتمعي ومركزية المفوضية الأوروبية وسلطات مركزية لكنها ذات فعالية محدودة وشرعية ديمقراطية. لا يتطلب بعض هذه الخطوات تعديلات على المعاهدات، بينما تتطلب خطوات أخرى ذلك. فإذا كان من الممكن إيجاد أي اتفاق أوسع نطاقاً، فإن التقدم يمكن أن يمضي قدماً من خلال أشكال من التعاون المعزّز.

فإذا كان قد تم إحراز بعض التقدم في أوروبا، فلماذا لم تتم استعادة الثقة؟ إننا نفتقر إلى سياق مشترك حول الأزمة، أو حول حلول لهذه الأزمة أو حول الطريقة التي سيطلب من المواطنين المساهمة بها. أوروبا بحاجة إلى "ميثاق شرعية" لاستكمال المواثيق المالية والنمو الخاصة بها.

 

مقترحات واضحة

 

يتوقف بقاء اليورو على إحياء عملية الاندماج الأوروبي. يحتاج الاتحاد الأوروبي لمقترحات واضحة تربط الإجراءات قصيرة الأمد مع الإصلاحات طويلة الأمد، و ربط إجراءات الانضباط والتضامن والشرعية. فهي تحتاج إلى مؤسسة جماعية أوروبية من شأنها تحقيق نتائج ملموسة تلبي مطالب المواطنين الأوروبيين وتطلعاتهم.

تحتاج أوروبا أيضاً إلى عنوان جديد. ما هي المكاسب المشتركة من الاندماج؟ إنها الحفاظ على السلام ونموذج الحماية البيئية وسوق اقتصادية أوسع نطاقاً، وصوت في الشؤون العالمية ونظام فريد من الرعاية الاجتماعية: تلك هي السمة المميزة لأوروبا وهي مبرر وجود البيت الأوروبي المشترك.

من الذي يتولى صياغة سياق مشترك لأوروبا؟ من الذي سيطرح اقتراح مشروع أوروبي جديد؟ هذ مهمة الجهة التنفيذية المشتركة للاتحاد الأوروبي، وهي المفوضية الأوروبية. هذه هي رسالتها وهذا هو واجبها. فالحكومات الوطنية أو الأشكال المختلفة للمديريات تفتقر إلى وجود رؤية للمصلحة المشتركة.