إذا ما أريد إعادة صياغة البنية المؤسسية العالمية، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تبدأ في التكيف مع التحول الجاري في وضعها من كونها قوة عالمية مهيمنة إلى كونها أقل هيمنة عالمية، لكنها تبقى القوة القائدة في العالم. فالعالم يتجه تدريجياً نحو الحالة العادية في التاريخ، وهي التعايش بين عدد لا بأس به من القوى العظمى.

يمكن إقامة نظام ليبرالي عالمي قائم على القواعد للقرن الحادي والعشرين في حال انطلقت الجهود المخلصة نحو هذا الهدف. وتتطلب هذه المهمة جعل البنية المؤسسية الدولية أكثر ملاءمة للتحديات الناشئة حديثا ولواقع القوة.

خيار صعب

من حيث الجوهر، فإن ذلك سيكون ممكناً إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لأخذ زمام المبادرة لإصلاح المؤسسات الدولية قبل أن تنشأ أحداث تطغى على النظام الحالي. ويكون الخيار إما إعادة هيكلة النظام الدولي في حين يسود السلم العالمي، أو السماح للتطورات بأن تعيدنا إلى نمط التاريخ الماضي، بمعنى أن التغيير الحاسم أعقبته حرب دامية كبرى تشمل قوى عظمى. والاختيار، بعبارة أخرى، يتمثل في التحرر من الماضي أو البقاء في سجن التاريخ.

حتى وقت قريب، كانت حفنة من القوى تصنع جميع القرارات الدولية المتعلقة بالتجارة العالمية والسلام والاقتصاد والأمن. ومع "قيام القوى الناشئة الجديدة" بتوسيع نفوذها خارج منطقتها، فقد نمت لائحة اللاعبين الذين يشكلون العلاقات الدولية. وتسعى القوى الجديدة بصورة مشروعة لمشاركة أكبر في المؤسسات الدولية وفي صناعة قراراتها. وبذلك فإن التغييرات الكبيرة في الهيكل الدولي المؤسس قد أصبحت حتمية.

غير أن البطء في وتيرة إصلاحات الحصص و الحوكمة بصندوق النقد الدولي والإحجام عن إعادة هيكلة البنك الدولي لإنشاء مؤسسة أكثر ديناميكية قادرة على التحرر من قيود الجهات المانحة والمتلقية هي أمور تسلط الضوء على الحاجة إلى إصلاح الهيكل المالي العالمي.

بشكل أوسع نطاقاً، لا يكمن التحدي في استيعاب القوى الجديدة التي أخذت في الظهور منذ نهاية الحرب الباردة فحسب، ولكن أيضا في القوى الجديدة التي ظهرت قبل انتهاء الحرب الباردة. وفي الواقع، فإن القوى التي برزت قبل نهاية الحرب الباردة لا تشكل أياً من التحديات الخاصة التي تشكّلها الصين، بمعنى أنها ديمقراطيات ليبرالية تعزز الحوكمة الدولية القائمة على القواعد، وتجنب استعراض القوة.

السياسة تدفع الاقتصاد

الاقتصاد الجغرافي لا يفرض الجغرافيا السياسية، كما تصور ذلك بعض النقّاد بشكل عاطفي عندما انتهت الحرب الباردة. وفي الواقع، فإن السياسة اليوم تدفع الاقتصاد مع هيمنة المخاطر السياسية على الأسواق المالية. ولكن ليس لاستيعاب القوى التي برزت قبل عقد الثمانينات الذي يشير فقد إلى أن أهمية الدولة تنبع من اعتبارها قوة فقط عندما تبدأ استعراض عضلاتها.

ألمانيا، على سبيل المثال، وهي الاقتصاد المزدهر الوحيد في منطقة اليورو اليوم. ألا ينبغي أن يتم استيعابها كصانع للقواعد؟

الصعود الكبير للصين يوازي النهضة الهائلة في اليابان كقوة كبرى خلال عصر ميغي (1867-1912). و الفارق هو أن اليابان، بعد أن عادت إلى الظهور كقوة اقتصادية من رماد الحرب العالمية الثانية، واجهت ركوداً اقتصادياً منذ عقد التسعينات من القرن الماضي.

ومع ذلك، فإن أحد التطورات الأقل في ملاحظتها في آسيا خلال القرن الحالي هو النهوض السياسي في اليابان. ومع نهضتها الراسخة والمثيرة للافتخار، أصبح الدافع القومي واضحا. طوكيو عازمة على التأثير في ميزان القوى في آسيا.

النقاش الأوسع نطاقاً فيما يتعلق باستيعاب الصين في النظام الدولي تغيب عنه حقيقة أساسية، وهي أن الصين قد تم استيعابها فعلياً بشكل كبير في النظام العالمي الحالي، إلى حد لم تصله أية قوة جديدة منذ منتصف القرن الماضي. إلا أن بكين قد تحولت إلى عقبة رئيسية لاستيعاب قوى جديدة أخرى.

لقد حدث هذا الاستيعاب للصين ليس بسبب قوتها المتزايدة. فلا تزال الصين متخلفة وفقيرة وممزقة داخلياً عندما يجري تصنيفها كعضو لا يتجزأ من "صميم" الجغرافيا السياسية العالمية، وهو النظام الذي يتعلق بقضايا السلم والأمن، والمتمثل في مجلس الأمن الدولي. وبهذا المعنى، تعتبر الصين هي الأوفر حظا من جميع القوى الجديدة.

قوة الواضع الراهن

لهذا السبب تعد الصين اليوم قوة الوضع الراهن فيما يتعلق بمنظومة الأمم المتحدة، من خلال السعي إلى البقاء عضواً آسيوياً دائماً ووحيداً في مجلس الأمن و معارضة توسيع عضويتها، و لكنها قوة تنقيحية في البنية المالية العالمية، تسعى إلى إصلاح شامل لنظام "بريتون وودز". اليوم، يعيش العالم لحظة فارقة في تاريخه.

بعض التحديات التي يواجهها فريدة من نوعها، تتراوح بين التسخّن العالمي المتسارع إلى جرائم الانترنت واتساع نطاق الارهاب الدولي. لقد أصبحت المؤسسات الدولية السليمة والمؤثرة عنصراً حيوياً في بناء تعاون حقيقي واستقرار للسلطة. والتحديات الأكثر إلحاحا تتسم بطابع عالمي وتتطلب تدخلاً دولياً فعالاً. إلا أن "العجز الديمقراطي" للمؤسسات الدولية القائمة وعدم كفايتها لتقديم نهج طموح قد أصبح واضحاً وضوح الشمس.