استغرق المجلس العسكري المصري ما يزيد قليلاً على 16 شهراً لاستعادة مكانته على قمة سلم السياسة في البلاد. وفي الوقت الذي كان الرئيس المصري السابق حسني مبارك يشغل منصبه، كان يرمز إلى هذه السلطة. وما كان يمثله الجيش بعد ما استولى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر على السلطة في عام 1952 كان أبعد ما يكون من عار مبارك ونظامه.
لقد كانت الإطاحة به على يد القادة العسكريين في القاهرة عملاً محسوباً من أعمال الانتهازية السياسية. وأصبح الدكتاتور السابق مشيناً للغاية لدرجة أن "اخوانه" في الجيش عزلوه بكل بساطة، و لم يحاولوا إنقاذه من عار محاكمة علنية مهينة للغاية. أصبح مبارك، في الوقت الذي تم خلعه من منصبه، عبئاً كان من الممكن أن يهدد المؤسسة العسكرية برمتها.
وكونهم يواجهون خياراً بشأن مستقبله السياسي، يبدو أن قادة المجلس العسكري قرروا أن يقفزوا بدلاً من أن يتم دفعهم. وكانوا مشغولين بالإبقاء على السيطرة العسكرية وليس بالإبقاء على حكم مبارك.
بعد ذلك حوّل العسكر انتباههم إلى تخفيف حماسة "الثورة" الذين شرعوا في الدعوة لإنشاء دولة إسلامية. وبطبيعة الحال لا يمكنهم تأييد إقامة دولة إسلامية. فإذا تم السماح للثورة المصرية بالمضي قدما في هذا الاتجاه لكانت المؤسسة العسكرية لديها الكثير لتخسره. فما فعله قادة المجلس العسكري هو اقتطاع الثورة والاحتفاظ بقبضتهم على السلطة. وهذا يبدو واضحاً الآن.
نظرة إلى الوراء
وإذا نظرنا إلى الوراء، يبدو أن أبناء الشعب المصري لم يكتسبوا الكثير من "ثورتهم" إلا خلع حسني مبارك من منصبه. ولم يكن ذلك إلى أنهم قد وثقوا بوعد المجلس العسكري بتوفير مناخ سياسي ديمقراطي في مرحلة ما بعد مبارك والذي كان من شأنه أن يؤدي إلى حكومة ديمقراطية، وإنما كان راجعاً إلى أنهم لم يكن لديهم أي خيار واقعي. ويعتبر الجيش المصري الذي يزيد قوامه عن 450 ألف جندي واحداً من أفضل جيوش المنطقة تسليحاً، وهو يفوق بكثير الاحتياجات الأمنية الحقيقية للبلاد، وفي حال عدم نشوب أية حروب خارجية فقد أصبح جزءاً قوياً على الساحة السياسية المحلية في مصر.
والأكثر من ذلك، ففي بلد يتم تحت آفاقه فصل الولاءات من خلال قضايا تتعلق بالعرق والطائفة والدين وغيرها من الاعتبارات الأخرى، فإن قوته تستقر في بساطة غايته. فلو أن الشعب المصري رفض قبول تعهد المجلس العسكري بشأن مسألة الانتخابات الديمقراطية، ربما كان العسكر قد سعوا إلى سحق الثورة.
بين المطرقة والسندان
الرئيس مرسي بين مطرقة المؤسسة العسكرية المصرية المصممة على عدم السماح بفقدان قبضتها على السلطة حتى لو وجدت نفسها مضطرة للتخلي عن الحكم السياسي المباشر للمرة الأولى في ستة عقود من الزمن، وبين سندان صخب الحشود من المصريين الذين يعيدون تجميع أنفسهم في ميدان التحرير وفي أماكن أخرى على امتداد البلاد متهمين الجيش بالعمل على خنق ثورتهم.
فلو أن مرسي انتزع سلطة الرئاسة كاملة من المجلس العسكرية، لكان قد تم بالفعل وضع الأساس للكثير من العمل لإعطائه دفعة نحو ما يُعتقد بعد الدولة الإسلامية المنشودة. ليس هذا ما تريده المؤسسة العسكرية المصرية، ولا ما تريده واشنطن، وبكل تأكيد، ليس ما تريده إسرائيل.
