ارتكب الرئيس الأميركي باراك أوباما أخطاء خلال عمله كسياسي، ومن ثم بوصفه رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، ومع ذلك، ليس هناك شك في أنه قام بشيء واحد على نحو صحيح، ألا وهو توجيه وابل من الدعاية الهجومية ضد المرشح الجمهوري مت رومني، ما أن تأكد نجاح هذا الأخير في الترشح عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وأوباما كان يلعب وفقا للقواعد المعتمدة ملتزما بسوابق تاريخية لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وساعيا نحو المهمة التي لا بد من القيام بها في سنة انتخابية، ألا وهي الفوز. ودعايته الانتخابية الهجومية «باين كابيتال» تشير إلى دور رومني في خسارة عمال شركة «أس سي إم» في أنديانا وظائفهم عام 1994 عقب استيلاء «باين كابيتال»، التي كان يترأسها رومني، على الشركة.
أصعب السباقات
وأوباما حاليا يخوض أحد أصعب السباقات السياسية في الذاكرة الشعبية، وكل رئيس أميركي، أيا كان، يجب أن يتحول نحو الدعاية السلبية من البداية ومن دون تقديم اعتذار، إذا كان الهدف هو النصر. والفكرة القائلة إن شن حملة سلبية يشكل نوعا من الانحراف الضار في الديمقراطية الأميركية هي فكرة زائفة. ولا يوجد حملة تفوقت في السلبية بقدر ما تفوق السباق الرئاسي لكل من أندرو جاكسون- جون كوينسي آدامز في عام 1828، عندما اتـُهم جاكسون بالقتل ومصارعة الديوك والمتاجرة بالرق وحتى بأكل لحوم البشر، وغيرها من الصفات المشينة بحق زوجته وأمه، ومع ذلك تمكن جاكسون من الفوز.
ومن الصعوبة إيجاد مدافع عن الدعاية الهجومية، باستثناء جون غيير، أستاذ العلوم السياسية في «فندربيلت»، وفي كتابه، «دفاعاً عن السلبية»، يلوم جون غيير كل المتشائمين لكونهم «قلقين جدا حيال الكياسة التي تظهر في الحملات الانتخابية»، ويقول: «الديمقراطية بإمكانها أن تتجاوز السلبية» ليس هذا فحسب، وإنما أيضا «من دون سلبية لا يوجد بلد يمكن أن يعتقد أنه ديمقراطي بمصداقية». لكن، برأيه، فإنه حتى اشهر الضربات الإعلانية الموفقة، مثل قضية السجين «ويلي هورتون»، و»دوكاكيس على دبابة»، و»ديزي»، لا تحدد نتيجة الانتخابات بقدر ما ترسخ اتجاهها.
وإلى الآن، فان دورة الانتخابات الحالية لم تنتج شيئا للتاريخ، لكن مجرد دعاية هجومية إذا ما تم إنجازها بشكل صحيح، تملك إمكانية جمع بعض من قوة تأثير الأفلام الهوليودية ذات الإنتاج الضخم.
وإنجاز الأمر بشكل صحيح لا يعني بالضرورة التعامل بشكل أخلاقي وعادل مع الحقائق. فبرغم خطابه المثير، لم يكن المرشح الجمهوري غولدووتر يميل لبدء الحرب العالمية الثالثة، في الوقت الذي سيثبت جونسون المحب للسلام نظريا أنه المتحمس لتصعيد الحرب الكارثية في فيتنام بعد إعادة انتخابه. لكن إذا كانت دعاية «ديزي» لم تكن حاسمة في فوز جونسون، أو لم تكن متوازنة في تصوير غولدووتر، إلا أنها تبقى المعيار الذهبي للدعاية الهجومية، ولسبب وجيه. والان، وفيما يحاول أوباما صد مرشح الحزب الجمهوري اليميني المتجذر، فانه لا بد أن يصل إلى هذا المعيار.
وهذا هو الحال، مع الأخذ في الاعتبار بان فريق رومني يملك على الأرجح أموالا اكثر لإنفاقها على الدعاية مما لدى أوباما، ليس لرومني أية موانع للاستغناء عن الحقيقة في دعايته. وفي ظل موارد محدودة واقتصاد متسكع، فانه يتعين على أوباما الفوز بالحرب عبر الأثير هذا العام، بانقلاب مبهر من الخيال، تماما كما اقتلع الديمقراطيون فوزهم عام 1964.
وسيكون أوباما حكيما في إعادة تمحيص جادة بتاريخ هذه الدعايات المؤثرة جدا، حيث شكل الإعلان الميزة الوحيدة في سباق ليندون جونسون غولدووتر. وقد أعاد روبرت كان، وهو صحافي ومؤرخ- أعاد في كتاب أصدره أخيرا تشكيل نهاية العالم بدقة عبر هذه الرسالة القصيرة التي وجهها في الفيلم. وسرد مان لهذا الإعلان يصبح مفيدا أكثر في مضمون عام 2012، وللمفارقة، فإن الدعاية الهجومية الأكثر شهرة في التاريخ تقف بعيدا عن كثير من الدعايات التي تلتها، بما في ذلك المنتجة حاليا، لناحية عدم تضمينها أي من الحقائق أو المقتطفات أو الجدل أو حتى صورة لأي من المرشحين، ولا حتى ذكر لاسم الشخص المستهدف، لكن مع ذلك فان قوتها تبقى مؤثرة.
وسيناريو دعاية «ديزي» قد يبدو بسيطا. فنرى فتاة صغيرة بريئة في حقل مليء بالعصافير المغردة وتقوم بفصل بتلات زهرة الأقحوانة بينما هي تعدها، ثم سرعان ما يطغى على صوتها الطفولي صوت رجل يعد عكسيا عبر المذياع انفجار قنبلة ذرية. وجه الفتاة يهدأ فيما الكاميرا تقترب منه. ويتجمد إطار الفيلم، بينما تركز الكاميرا على عينيها مباشرة. بؤبؤ العين يملأ الشاشة قبل أن ننتقل بشكل مفاجئ إلى سحابة دخان القنبلة الذرية المتصاعد. في الثواني الأخيرة فقط نسمع «صوت جونسون» دون أن يظهر على الشاشة وهو يعلن «هذا ما هو على المحك»، قبل أن ينهي بكلام عاطفي: «يتعين علينا إما أن نحب بعضنا أو أن نموت».
ودعاية «ديزي» جمعت تنويعا من إيماءات الفن الرفيع، والفن كان له وظيفة مؤثرة وقتئذ، ولم يكن مجرد عرض لقضية منطقية أمام الناخبين، وإنما لتكثيف المشاعر، وبالتحديد مشاعر الذعر الشديد. ولإنجاز هذه المهمة، فان الفريق السياسي لليندون جونسون انتهك عقيدة الإعلان السياسي في زمانه.
ففي تلك الأيام، كانت الدعايات الانتخابية تتسم بالمنطق أو تعطي معلومات عن مرشحي الرئاسة الذين كانوا يعرضون مواقفهم بأحاديث منظمة أو يقدمون خطابات جافة جديرة بأعضاء في المكتب السياسي.
وكان ينظر إلى رجال الإعلانات باعتبارهم مجرد تقنيين المطلوب منهم تعليب المحتوى الرتيب لا غير. لكن كنيدي عمل على كسر التقليد من خلال توظيف شركة إعلان خلاقة في حملة إعادة انتخابه، بالتحديد دويل داين برنباخ، الذي قلب إعلانه لسيارة فولكس فاغن عام1959 التقاليد. وهذا الحس الباطني لكنيدي بقي رغم تعرض كنيدي للاغتيال، حيث جرى تعيين بيل برنباخ في حملة إعادة انتخاب الرئيس الجديد.
بيئة غنية بالأهداف
والسيرة الذاتية لرومني هي بيئة غنية بالأهداف لحملة دعايات هجومية. وعلى الرغم من أن العمر الافتراضي للعنوانين الكبيرين اللذين فجرتهما حملة أوباما سوف ينتهي مفعوله قريبا، والمقصود بهما سجله كمحافظ ولاية ماساتشوستس ومهنته في «باين كابيتال»، فإنه لا يوجد مانع من تزويد الحملة بمادة إضافية.
ويبقى العنوان المفضل ما جرى نقله لمجموعة من العمال العاطلين عن العمل : «أنا أيضا عاطل عن العمل». وهناك أيضا جهوده المثيرة للسخرية في إنكار واقع أن قانون الرعاية الصحية لماساسوستش كان سابقا لقانون الرعاية الصحية لأوباما الذي يتميز بأسعاره المعقولة. ولدى رومني أسلوب غولدووتر الوحشي في السياسة الخارجية، بما في ذلك إيمانه بحقبة الحرب الباردة من خلال قوله المأثور: « روسيا هي عدوة أميركا الجيوسياسية رقم 1».
ثم هناك «لندع ديترويت تفلس» وهناك الأموال المودعة في جزر كايمان وسويسرا. وهناك مصادقته على ميزانية بول ريان التي من شأنها أن تقلص شبكة الحماية الاجتماعية، بما في ذلك المنافع لكبار السن. وهناك تصديقه لسياسة الهجرة في أريزونا ودعوته للمهاجرين غير الشرعيين للخضوع «لترحيل ذاتي من البلاد». وهناك اكثر من أي شيء آخر، الحزب الراديكالي الذي يحاول إخفاؤه بإعطائه وجها معتدلاً.
ولا شك في أن كل هذه المواضيع ستقوم بدورها في الحملة، بل يجب أن تفعل ذلك. وكثير من هذه المواضيع يتداخل مع أفكار حملة ليندون جونسون ضد غولدووتر. وارث «ديزي» المبهر يجب أن يؤخذ في الاعتبار، والعواطف يجب أن تطغى على المعلومات والنقاط الأيديولوجية في دعاية هجومية قوية لديها قوة صدم كافية لاختراق الضوضاء الإلكترونية للسنة الانتخابية على مدار الساعة، في القرن الحادي والعشرين.
المبارزة الأكثر خشونة
ومبارزة رومني الأكثر خشونة سوف تتطلب تشغيل عامل الخوف، ولهذا، فانه لا يوجد استلهام أفضل من مارك ثايسون، وهو كاتب خطابات سابق لكل من جورج بوش ودونالد رامسفيلد، والمعروف عنه دفاعه عن تقنيات التحقيق الخاصة بوكالة الاستخبارات المركزية، وجهوده الدؤوبة لرسم أوباما بانه غير متشدد حيال الإرهاب. في إبريل الماضي، كتب ثايسون عمودا صحافيا في «واشنطن بوست» لم يلاحظه إلا قلة من الناس بعنوان «ميت عازم على السرية». وما أثار قلقه باعتباره مخلصا للجمهوريين هو إعلان رومني تأخير تقديم الإقرارات الضريبية العائدة لعام 2011.
ويخشى ثايسون من أن تملص رومني المستمر من الأسئلة حول الضرائب يستفيد منه الديمقراطيين بالقول مجازيا إن لديه ما يخفيه. ومسلسل المراوغة يقول قد يوفر لأوباما «طريقة ذكية لاستغلال بعض الانزعاج لدى الأميركيين» من إيمان رومني السري بطائفة «المورمون».
وكل هذه الأمور صحيحة، على الرغم من أن إيمان رومني «السري» يلقي بظلاله اكثر مما يجب، وبالذات لأنه يبقيه سراً. وفي ظل ثقافة سياسية حيث كل المرشحين، ولا سيما المرشحون الجمهوريون، يعلنون انتماءاتهم الدينية، فان تكتم رومني يبدو لافتا للأنظار بدرجة كبيرة. لكن نطاق عمل رومني، بوصفه «الرجل اللغز» ، يبدو اكثر وضوحا مما أشار إليه ثايسون، أو ربما أراد أن ينطق به.
فلم يذكر على سبيل المثال، خروج رومني الغريب من منصبه كحاكم لولاية ماساسوستش في نهاية ولايته. ومساعدو رومني لم يمحوا كل الرسائل الإلكترونية من حاسوب مكتبه، وإنما أيضا اشتروا محركات أقراص صلبة وأزالوا هذه الأقراص من 17 حاسوبا آخر مملوكة للدولة.
وأخيرا، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» النقاب عن مجموعة أقراص نجت من الإتلاف، وكشفت فيها أن رومني كان مدافعا بقوة عن مشروع قانون الرعاية الصحية الخاص بولايته، وهو الأمر الوحيد الذميم بنظر خصوم «أوباما كير» الآن.
وكثير من خطط سياسة رومني لا زال سريا، بما في ذلك سياسة الهجرة، وخطط الضرائب، وموقفه من قانون وزارة العمل الخاص بالأجور وساعات العمل «فير باي» لليلي لدبتر عام 2009، والوكالات الحكومية التي وعد بإزالتها. وعندما تطرح عليه أسئلة عن هذه القضايا، فإن استراتيجية حملته تحيل السائل إلى موقعه الإلكتروني المليء بالأمور السطحية.
درسان لأوباما من الدعاية السلبية
عرضت دعاية «ديزي» الشهيرة للرئيس الأميركي ليندون جونسون ضد منافسه الجمهوري باري غولدووتر في 7 سبتمبر 1964، وشاهدها حوالي 50 مليون أميركي، وظهرت على نشرة الأخبار للمحطات الثلاث، وعلى غلاف «تايم». وحملة جونسون لم تدفع فلسا واحدا لإعادة بثها. والإعلان يعرض فتاة صغيرة تفصل بتلات نبتة الأقحوانة وهي تعدها، بينما يجري العد العكسي لإطلاق قنبلة نووية.
ورد الفعل حينئذ يذكر برد الفعل على الهجوم الذي شنه أوباما في قضية «باين كابيتال» ضد المرشح الجمهوري ميت رومني. جماعة جونسون توقعوا الصراخ والعويل، وكانت لديهم استراتيجية للتملص من الهجوم. فما أن يلحق فيلم «ديزي» الضرر المطلوب منه، حتى ترد حملة جونسون على الاحتجاجات بتمسكها بالأخلاق الرفيعة وبرحابة الصدر لسحب الإعلان.
وهذا درس يمكن أن يتعلمه أوباما من عام 1964. إذ يمكنه تملق كل ناقد يعتقد أن السياسة يجب أن تقلد نغمة الطاولة المستديرة للشؤون العامة، ومن ثم القيام بما يود فعله في كل الأحوال. ودرس آخر هو أن الدعاية يجب أن تتناول موضوعا مثيرا جدا، قد يكون رمزيا بل حتى شاعريا، وتأثيره كما يقول توني شوارتز لاحقا: «لا يخبر المشاهد شيئا، لكن يطفو بمشاعره إلى السطح».
وفريق جونسون كان يملك عددا من الخطط الهجومية الواعدة لملاحقة غولد ووتر. لكن الحملة استقرت على تهديد غولدووتر حول الأسلحة النووية، لان آفاق حرب نووية تتجاوز الفروقات الأيديولوجية والسياسية، وتخترق العواطف الخاصة بمخاوف الناخبين الوجودية. ولقد قاد منافسو غولدووتر، المهزومين من الحزب الجمهوري، نيلسون روكفيلر وويليام سكرانتون، عملية إظهاره كشخص خطير محب للحروب.
ضربة قاضية
بمعزل عما يريده الأميركيون من رئيسهم في أوقات الخوف، سواء القلق النووي في عام 1964، أو القلق الاقتصادي في عام 2012، فانهم يفضلون في الحدود الدنيا قائدا يجدونه إنسانيا بمعزل عن تبايناتهم السياسية. وعلى الرغم من جهود اليمين لإبراز الرئيس الأميركي باراك أوباما كغريب من كوكب آخر أو على الأقل من قارة أخرى خلال السنوات الأربع الأخيرة، فإن الناس تعلم الآن من هو الشخص الذي في البيت الأبيض، في السراء والضراء. ولا زال ميت رومني غريبا مجهولا ولغزا محيرا لمواطنيه.
مع ذلك، بإمكان رومني أن ينجح في إكساب نفسه شخصية جذابة، قبل أن يصنع الديمقراطيين منه شخصا مخيفا. ومهمة حملة أوباما ليست بالسهولة التي تبدو عليها دعاية «ديزي» الشهيرة خلال السباق الرئاسي بين الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون والجمهوري غولدووتر، وتتمثل في القضاء عليه بالضربة القاضية خلال 60 ثانية.
