انزلقت الكثير من الدول الافريقية إلى الحرب الأهلية، لكنها انتزعت نفسها من هوتها في نهاية المطاف. حتى الصومال التي مزقها الرصاص تتملص أخيراً من الفوضى. لكن السودانيين أساساً يعيشون في حالة الحرب مع أنفسهم لمدة 56 عاما، مع بعض الانقطاعات. واليوم، فإن هذه الحرب تدور رحاها في العديد من الأماكن القديمة نفسها، وبالكثير من الطرق القديمة نفسها.

السمة المميزة لاستراتيجية الحكومة السودانية في مكافحة الانتفاضة هي شن هجوم قاسٍ على المدنيين، وقد تم إطلاقه في الجنوب في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وفي جبال النوبة في التسعينات، وفي دارفور في مطلع الألفية الثالثة.

الآن، يشن هذا الهجوم مجدداً في جبال النوبة، حيث أدى القصف من قبل سلاح الجو السوداني إلى إجبار قرى بأكملها الى أن تلوذ بكهوف الجبال، وتخلي الحقول دون زراعة، والأسواق فارغة ويوشك الناس على الموت جوعا.

يتم توجيه سفك الدماء في جبال النوبة من قبل المسؤولين أنفسهم الذين تشير أصابع الاتهام إليهم في المجازر السابقة، مثل الرئيس السوداني عمر حسن البشير الذي يتولى السلطة منذ عام 1989، وأحمد هارون وهو حاكم الولاية التي تضم جبال النوبة. والاثنان مطلوبان لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية في إطار إراقة الدماء في دارفور، كما أن البشير متهم بالإبادة الجماعية. يبدو أن الهجوم الحالي يضع الأطفال النوبيين في الحلقة الأضعف، وغالبا لا يوجد مكان يهربون إليه.