في ظل نمو عالمي بطيء على نحو متقلب، فإن قمة مجموعة العشرين الأخيرة لم تحقق إلا القليل، باستثناء استنزاف المزيد من المال من الدول الغارقة في المديونية. وانتخابات اليونان الأخيرة التي أيدت اليورو بقوة ساهمت في تشجيع النمو الاقتصادي العالمي أكثر من أي شيء حدث في قمة لوس كابوس.
وعلى الرغم من إعلان بيان لوس كابوس ل خطة عمل "للنمو والوظائف" تقضي بفرض المزيد من السيطرة الحكومية على اقتصادات أوروبا المتعثرة في معظم الأحيان، إلا أنه لا يوجد بين قادة مجموعة العشرين توافق جوهري من الناحية العملية حول كل المواضيع الاقتصادية الهامة، وبالتحديد الضرائب العالية أو المنخفضة، حافظة سندات كبيرة أو صغيرة للمصارف المركزية، المزيد من الوجود الحكومي أم التقليل منه.
اجتماع مترف
والقرارات الأكثر وضوحاً التي خرجت بها القمة هي تشجيع الحكومات وليس القطاع الخاص مما يعني المزيد من العجز في الإنفاق، وتوسيع صندوق النقد الدولي بقيادة الصين، وعقد اجتماع مترف آخر لقمة العشرين في روسيا السنة المقبلة. وحصيلة الأمر تزيد الشكوك حول قيمة مجموعة العشرين في تعزيز الأسواق الحرة والاقتصادات الخاصة القوية ومستويات المعيشة في العالم.
والدولة الكبرى في قاعة اجتماعات القمة كانت الولايات المتحدة الأميركية، التي أمامها نهاية العام موعد نهائي مع فرض أكبر زيادة ضريبية في التاريخ. وعلى الرغم من مناشدات كثيرة من مختلف أطراف الطيف السياسي الأميركي للتحرك فورا من أجل تأخير الموعد النهائي المطروح، على الأقل حتى تشكيل حكومة جديدة في 2013، فان القمة بالكاد طرحت المشكلة ولم يجر تحقيق أي تقدم ملموس لتفادي هذا الأمر.
والسياسات الضريبية المتعلقة بالشركات الأميركية هي أيضا تثير الذهول بالنسبة للعالم، لاسيما في ظل تراجع النمو على الصعيد الدولي. والدينامية الأميركية تعد حيوية، وأميركا تحتفظ بأعلى معدل ضريبة على الشركات في العالم، مضافا إلى ذلك الضرائب الباهظة المفروضة على تحويل إيرادات الشركات العاملة في الخارج. ونتيجة لذلك هناك هروب للرساميل الأميركية والاستثمارات والوظائف إلى أماكن تحظى بالتشريعات الضريبية الأكثر ودا.
كذلك لم يجر التطرق في اجتماع لوس كابوس إلى كون اليابان تخنق اقتصادها بالانكماش على مدى عقدين. وفيما التوقعات العالمية تزداد ضبابية، فان المدخرين اليابانيين يلجؤون للاحتماء بالين، مما يرفع قيمته على الرغم من عقود على استثمارات من دون عائدات أو عائدات سلبية. وإيجاد عملة قوية ومستقرة بمعنى عملة لا تستمر قيمتها في الارتفاع سوف يساهم في عودة الاستثمار والنمو في ثالث أكبر اقتصاد في العالم. والحل هو أن تضع اليابان سقفا واضحا على قيمة الين، وتستدين منه لشراء الدولارات عند الضرورة، كما فعلت سويسرا في سبتمبر 2011 مع الفرنك السويسري.
تقريع بارد
أما الصين التي تحتاج إلى تشجيع لخفض معدلات الفائدة بشكل أسرع، فقد حصلت على تقريع بارد من مجموعة العشرين حول سياسات العملة لديها. ومع تراجع النمو في العالم المتطور، فإن حجم الهبوط الاقتصادي الحالي للصين هو عامل غموض رئيسي في آفاق النمو العالمي. والناتج المحلي الإجمالي للصين وصل إلى ذروته عند نسبة 11.9% في عام 2010، ثم تباطأ إلى 8.1% في موازاة التباطؤ الأميركي إلى نسبة 2% حتى شهر مارس من السنة، من نسبة مرتفعة بلغت 3.5%. لكن بدلا من العمل نحو سياسة نقدية دافعة للمزيد من النمو، فإن الصين استخدمت وقتها في لوس كابوس لكسب المزيد من النفوذ على صندوق النقد الدولي.
وفي بيان قمة مجموعة العشرين الأخير، الذي انعقد في المكسيك، تعهد قادة منطقة اليورو ب"اتخاذ كل الإجراءات السياسية الضرورية لحماية سلامة المنطقة واستقرارها، وتحسين وضع الأسواق المالية والخروج من الحلقة المفرغة بين ما هو سيادي ومصرفي"، لكن كان الأجدى من القادة قضاء أوقاتهم في أوروبا للتوصل إلى الآليات الفعلية لتحقيق ذلك.
وفي تطور مرحب به، اجتمعت الحكومة الإيطالية في روما، أخيراً، سعيا وراء تحقيق النمو، وفي سبيل "تقليص البعد الحكومي" حسبما يقول رئيس وزرائها ماريو مونتي، وذلك على نقيض تام مع النهج الأميركي. والحكومة الإيطالية وافقت أيضا على تقليص الوكالات الحكومية وخفض عدد الموظفين. ودعما لذلك، كان بإمكان قمة العشرين أن تحض كل زعيم من زعمائها على اللقاء بمستشاريه لتقليص حجم الحكومة كطريقة لتشجيع استثمارات القطاع الخاص والتوظيف.
لكن وفد الأرجنتين الكبير أمضى وقتا رائعا في القمة، على الرغم من أن الأرجنتين، أظهرت عدم احترام لحقوق الملكية الخاصة، وذلك من خلال الاستيلاء أخيرا على 51% من حصة شركة النفط الأرجنتينية التي تملكها شركة "راسبول" الإسبانية.
وباعتباره المضيف للقمة، في السنة المقبلة، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اصبح في سنته الثانية عشرة من إرسائه احتكار القلة، سيفوز بالسلطة والنفوذ في مفترق طرق سيئ التوقيت في الجغرافيا السياسية. ومن جانب آخر، فإن الدعوات لقمم كبيرة معمرة تتطلب وضع ميزانيات لمناسبات لا تحصى، فيما دافع الضرائب لا يستطيع تحمل التكاليف.
يمكن تحقيق نمو عالمي سريع، لكن قمم مجموعة العشرين لا تساعد في ذلك. ومهمات خاصة بكل دولة على حدة هي الحل، وليس المزيد من المأسسة لحكومة مالية عالمية.
عراقيل واضحة
إن العراقيل التي تقف في وجه النمو العالمي في عام 2012 تعد واضحة، ويحتاج التعامل معها إلى الرساميل الوطنية وليس إلى القمم. والمبادرات السياسية الأوروبية ربما هي اكثر السياسات إلحاحا وضرورة اليوم، والتركيز لناحية تحقيق النمو في أوروبا يجب أن يكون في الحفاظ على اليورو ووضع آليات قاسية لخفض كلفة الاقتراض، بالتزامن مع سعي الحكومات إلى بيع الأصول وتقليص العراقيل أمام القطاع الخاص وإزالتها.
