تابع العالم، أخيراً، الانتخابات في اليونان بنوع من الافتتان والرهبة، فالتصويت كان بإمكانه أن يدفع اليونان خارج منطقة اليورو، ويطلق سلسلة من التبعات غير المنظورة على المنطقة والاقتصاد العالمي.
لكن بالنسبة لليونانيين، كان التصويت قضية محلية صرفة، وشكلت تذكارا بانهيار نظام البلاد السياسي.
توجه اليونانيون إلى صناديق الاقتراع، أخيرا، لأن أحزاب البلاد السياسية لم تكن تملك الشجاعة للعمل معا في وجه الأزمة الوطنية الطاحنة بعد انتخابات 6 مايو غير الحاسمة، ولأنها لم تتمكن حتى من الاتفاق على بنود سجال مفتوح متلفز، لكنها وعدت الناس بإعادة تفاوض ناجح لشروط صفقة مع شركاء اليونان الذين يزدادون إحباطا في الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.
ركود شديد
وفي هذه الأثناء، فان نظام الضمان الاجتماعي آخذ في الانهيار، والمستشفيات تعاني من نقص حاد في المواد، وواحد من أصل أربعة عمال عاطل عن العمل، والباقون يخشون دورهم، كما أن سبعة من أصل 10 أشخاص تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 سنة يقولون إنهم يريدون أن يهاجروا، والناس خائفون من خسارة مدخراتهم، ويجري الاعتداء على المهاجرين من قبل بلطجية من اليمين، والاقتصاد في عامه الخامس من الركود ويكاد يلفظ أنفاسه من نقص السيولة، مما يعني أن المزيد من الأعمال سوف تغلق أبوابها، وفوق كل هذا، تمر العلاقات مع شركاء اليونان ومقرضيها بحالة من الجمود.
وغياب قوى سياسية جديدة كان يعني بالنسبة للناس أنه يتعين عليهم أن ينظروا إما إلى الأحزاب القديمة أو يجتذبوا إلى المتطرفين الهامشيين. ومن الواضح أن تلك الأحزاب لا تستطيع التعامل لا مع قسوة منطقة اليورو، ولا مع الفوضى المترتبة على قرار مغادرة منطقة اليورو، لو اتخذت اليونان هذا المسار.
وبالتالي، صوت الناس لأحزاب ما كانوا لينظروا إليها بجدية يوما، معربين عن حالة الخوف والغضب والإحساس العام بالغموض التي تعتريهم. وكثيرون ممن كانوا في يسار الوسط صوتوا لحزب الديمقراطية الجديدة المحافظ لأنه قال إنه لن يتسبب بأزمة مع المقرضين، وما يعنيه ذلك من استمرار الإصلاحات والقروض. وآخرون ممن لم يفكروا يوما في أنهم يساريون توجهوا إلى القطب الآخر، التحالف اليساري الجذري "سيريزا" الذي أعلن أن حزمة القروض والإصلاحات هي لاغية وباطلة أصلا.
دعم المتطرفين
والأمر الذي يدعو إلى القلق بصورة أكبر هو بروز مجموعة من المتطرفين اليمينيين العنيفين الذين يحصلون على دعم أشخاص كثر لم يفكروا أبدا في التصويت لهم، لكن بسبب شعورهم بالعجز يريدون رجالا أقوياء بالوكالة يتبخترون في البلاد.
والتصويت الأخير أظهر أن زمن أحزاب البلاد قد ولى، لأن أيا منها لا يبدو مناسبا للتعامل مع التحديات التي سيواجهها في الحكومة. وهذا الأمر يجب أن يثير قلق باقي أوروبا، بالقدر نفسه الذي كان يمكن أن يثيره خروج البلاد من منطقة اليورو.
وكثير من تحديات اليونان هي فريدة، لكن البلاد تقطر المشكلات الكامنة في توحيد أوروبا، وإحداها تتمثل في عدم قدرة القوى السياسية على التعامل مع ازدياد الغضب الشعبي في الداخل، وتنسيق الأعمال على المستوى الأوروبي في الوقت نفسه.
إن اليونانيين منقسمون بين الحزبين الوسطيين، حزب الديمقراطية الجديدة وحزب "باسوك" اليساري الوسط، اللذين هيمنا على الحياة السياسية منذ عام 1974 وخسرا معظم تأييدهما ومصداقيتهما. فلا يوجد وسط الآن، ولا يوجد حزب قوي مرادف للدولة، ولا يوجد أحد يعيد طمأنينة رعاة السياسة القدامى.
وتماما كما تم النظر إلى الأزمة الاقتصادية باعتبارها مشكلة يونانية صرفة، لا لشيء إلا لتؤدي إلى تساؤل هام حول مدى عزم الاتحاد الأوروبي حماية عملته الموحدة، كذلك يمكن أن تشكل الأزمة السياسية مؤشرا إلى ما ينتظر البلدان الأخرى.
وعندما لا تأتي الصيغة التقليدية للتقشف والإصلاحات بنتائج سريعة فيما عدا دفعها بأعداد كبيرة من الناس إلى البطالة والفقر واليأس، وتقويض ثقة المواطنين وقطاع الأعمال، فان الناس سوف تدير ظهرها للحقيقة، وتستأنس إما بالماضي في المظالم المشتركة أو بالوعود الشعبوية الكاذبة.
وبينما تقلق ألمانيا حيال التضخم الجامح الذي ساهم في صعود النازية إلى السلطة، فإن الخوف من التضخم القسري المعبر عنه بالتقشف الصارم في اليونان، يمكن أن يسبب المحنة الاجتماعية نفسها التي جلبت الوحوش في ألمانيا.
بالتالي هل موقع اليونان في اليورو وفي الاتحاد الأوروبي مهدد؟ وكثيرون من اليونانيين صوتوا في الانتخابات الاخيرة، ولا يرون الانتخابات من منظور المسؤولين والاقتصاديين عبر العالم. وهؤلاء الذين صوتوا ل "حزب الديمقراطية الجديدة" فعلوا ذلك بشكل واع لإبقاء اليونان في منطقة العملة الموحدة.
لكن، بما أن استطلاعات الرأي المحافظة كانت قد وجدت أن 70% من المواطنين يريدون بقاء اليونان في منطقة اليورو، فإن الذين صوتوا ل"سيريزا" وغيرها من الأحزاب المناهضة "للمذكرة"، كما تدعى حزمة الإصلاحات المطلوبة من اليونان لإنقاذها، يبدون أنهم يؤمنون فعلا برسالتهم التي تقول إن النكث باتفاقية الإنقاذ لن يؤدي إلى وقف عملية ضخ اليورو من الخارج.
وكل من "حزب الديمقراطية الجديدة" و "سيريزا" لعبا على فكرة الاستقطاب، وكأنهما يشنان المعركة الأخيرة للحرب الأهلية التي انتهت في عام 1949، لكن هذا يعد الهاء عن الحاجة إلى الاتفاق على إصلاح النظام الضريبي والقضاء والإدارة العامة وغيرها. والأمر المطروح حاليا هو ضرورة قيام "حزب الديمقراطية الجديدة" بتشكيل ائتلاف، وما سينتج عن ذلك من حكومة ضعيفة من مواجهة معارضة قوية.
طريق مسدود
اليونان لا يمكنها تحمل البقاء من دون حكومة كما ظهر في فترة ما قبل الانتخابات في 6 مايو الماضي، لكن تماما كما جرى التعامل مع الاقتصاد، عندما كان مدفوعا للانهيار قبل أن تقرر البلاد القيام بشيء حيال الأمر.
فإن نتائج الانتخابات ستؤدي إلى المزيد من الطريق المسدود وربما تبرهن لليونانيين على أن نظامهم السياسي يحتاج إلى إصلاح مشابه. وفيما هم ينظرون في كيفية القيام بذلك على أفضل وجه، سيكون مفيدا لشركائهم في الاتحاد الأوروبي النظر إلى الطريقة الفضلى لتجنب مصير مشابه.
