أدت نتائج الانتخابات التي أجريت أخيرا في اليونان، والتي تمت مراقبتها عن كثب، إلى تنهيدة ارتياح من جانب الأسواق المالية والمعلقين السياسيين حول العالم. ولم يتوقع أحد أن بلداً صغيراً بعدد سكان يقرب من 11 مليون نسمة، قد يكون، في يوم من الأيام، في بؤرة اهتمام العالم، الا ان كلا من شبكتي التلفزة "سي إن بي سي" و"بي بي سي" كانتا تبثان مجريات الانتخابات من على سطح الفندق الفخم "غراند بريتاني" في ساحة "سينتغما"، بوجود خبراء يحللون ما سيحمله الغد لليونان.
ونتائج الانتخابات تظهر جمهور ناخبين منقسما بشكل عميق. ومع معدل امتناع عن التصويت عال قدر بحوالي 40 %، ومع تصويت حوالي نصف اليونانيين للأحزاب المناهضة لحزمة الإصلاحات، التي يشير إليها اليونانيون باسم "المذكرة"، فإن الفائز في الانتخابات، أي حزب الديمقراطية الجديدة المنتمي إلى يمين الوسط بقيادة أنتونيس ساماراس، ليس لديه تفويض من الشعب.
والسيناريو الأرجح هو قيام حكومة ائتلافية ضعيفة تحاول المضي في تطبيق سياسات "المذكرة" التي لا تحظى بشعبية على الإطلاق، ونتيجة لذلك، فإن هذه الحكومة قد لا تتمكن من الاستمرار حتى كامل ولايتها البالغة أربع سنوات. فهل ستعيد هذه الحكومة التفاوض مع أوروبا حول بنود المذكرة؟ هل سيتغير شيء ما؟ أو هل سيعني ذلك المزيد من التقشف والألم للمواطن اليوناني العادي؟
دعوات الإنقاذ
وهناك نقطة تغيب عن البال غالبا تتعلق بسياسات المذكرة، وتتمثل في أنها لا تفرض التقشف بالضرورة، ودعوات الإنقاذ بدعم من الاتحاد الأوروبي تشير للإصلاح الهيكلي وتحرير سوق العمالة اليوناني وفتح المهن المغلقة والمقيدة وخصخصة الخدمات العامة وتحجيم القطاع الحكومي الهائل وتحسين نظام تحصيل الضريبة والقضاء على الإجراءات البيروقراطية في ما يتعلق بالبدء بمشروع عمل جديد.
وكل هذه الإجراءات، التي هي على غرار إجراءات إعادة توحيد ألمانيا في أوائل التسعينات، تستهدف تطوير قطاع خاص منافس يعمل على دفع النمو الاقتصادي، ويرفع الإنتاجية، يخرج اليونان في نهاية المطاف من الركود الدائم. وكلما زادت الإصلاحات الهيكلية التي يمكن أن تطبقها، قل التشدد في بنود عملية الإنقاذ. وكان هذا طرف الجزرة في الصفقة.
وعندما جرت الموافقة على المذكرة، فشلت "الترويكا" المؤلفة من الاتحاد الأوروبي والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي في فهم عدم قدرة آلة الدولة اليونانية أو عدم استعدادها لتطبيق الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد. وكان فشل الجهاز السياسي اليوناني في تطبيق هذه الإجراءات، في الوقت المناسب، هو الذي جلب إجراءات التقشف المثيرة للجدل في اقتطاعات الأجور ومعاشات التقاعد.
وعندما ادركت "الترويكا" أن الحكومة اليونانية لم تكن قادرة على تطبيق الإصلاحات الهيكلية أو مستعدة للقيام بها، واستخدمت سياسة التقشف كعصا. ولسوء الحظ، فإن نظام الدولة برمته في اليونان لايزال حبيس المصالح الخاصة على حساب البلاد بأسرها.
التحرير الاقتصادي
لذا يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الحكومة الجديدة قادرة على تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي التي تشتد الحاجة إليها في اليونان. وللإجابة عن هذا السؤال، يحتاج المرء إلى النظر إلى ما إذا كان قد طرأ أي تغيير.
أولا، إن الأحزاب التي قد تشكل الحكومة الائتلافية الجديدة من حزب "الديمقراطية الجديدة" إلى حزب "باسوك وربما "ديمار"، تمثل هذه الأحزاب المؤسسة السياسية القديمة التي حكمت اليونان، على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة.
وتتألف من الأشخاص أنفسهم، كما إنهم حبيسو المصالح نفسها. والهيئات المهنية تبقى قوية دون مساس. والمعارضة الرئيسية ستكون الحزب اليساري "سيريزا" الذي اقسم على حماية امتيازات العمال في القطاع العام، وهو سيعارض اي تغيير بهدف تحجيمها. ويبدو منطقيا بالتالي افتراض أن آلة الدولة اليونانية ستحاول الحفاظ على نفسها بأي ثمن وتعارض أي إصلاحات تهدد وجودها.
سياسات عشوائية
أين تترك نتائج الانتخابات الأخيرة اليونان؟ ربما في الوضع نفسه الذي كانت عليه في السابق. فالحكومة الجديدة ستحافظ على السياسات العشوائية نفسها لخفض التكاليف، وهي ستبقى بين المطرقة والسندان، وغير قادرة أو غير مستعدة لتطبيق الإجراءات المناسبة، وضعيفة سياسيا وتحت ضغط مستمر من أوروبا. ومحليا، سوف تتعرض للهجوم من قبل معارضة تتهمها بالفشل في تغيير سياسات التقشف الفاشلة تلك. سوف تخسر كل دعمها، وستكون محظوظة بالنجاة بولايتها الممتدة إلى اربع سنوات.
وفي غضون ذلك، فإن المواطن اليوناني العادي سوف يستمر في معاناته الناجمة عن دوامة الانكماش. وفي نهاية المطاف، عندما تتمكن تجاوزات الفقاعة من الخروج من النظام بشكل مقبول، فإنها سوف تتحول إلى نمو، لكن هذا يمكن أن يأخذ بسهولة خمس أو 10 سنوات إضافية.
