يتفق سائقو سيارات الأجرة مع المعلقين المرموقين في بريطانيا على أن عملة اليورو تشكل كارثة مطلقة، وأن النخب الأوروبية تمادت فأودعت شعوب أوروبا وراء قيود كارثية من دون أي تفويض ديمقراطي أو محاسبة.

وكلما جرى الإسراع بإنهاء مجمل هذه التجربة، وأصبحت أوروبا مجرد جماعة فضفاضة من دول التجارة الحرة مع أسعار صرف عائمة، كان هذا أفضل.

ولا أحد يعلم ما ستكون عليه التحولات المستقبلية، لكن إسبانيا حصلت الآن على خطة لإنقاذها، وألمانيا سوف توافق على اتحاد مصرفي أوروبي مكتمل قبل نهاية يونيو الجاري، حيث كل دولة من دول منطقة اليورو ستقوم بضمان الودائع والديون المصرفية تجاه الدولة الأخرى، وستتفق على رقابة مصرفية ووسائل مشتركة للتأكد من أن كل مصرف من مصارف منطقة اليورو لديه رأس مال كاف.

 وهذا يفترض أن يقطع الرابط المؤذي بين الأزمة المصرفية وأزمة الدين العام. ولا شك في أن الحكومة اليونانية المقبلة ستعقد صفقة تسمح لها البقاء في اليورو، في ظل شروط أقل تقشفاً.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تركيبة من الأموال الرخيصة للغاية والإنفاق الكبير على البنى التحتية عبر القارة، والموافق عليها على مضض من قبل ألمانيا، سوف تبدأ في استنهاض الاقتصاد الأوروبي. وسيتدبر الاتحاد الأوروبي أمر عبوره الأزمة بصعوبة، وسيتم الحفاظ على النظام، لأن تكاليف الانفصال أو خروج أي دولة في نهاية المطاف ستكون باهظة جداً.

وضع خطير

لكن الوضع متقلب بشكل خطير، وقد يكون الألمان بطيئين في التحرك. ويمكن أن تواجه أوروبا شهوراً من التدافع على المصارف والهرج والمرج، في الوقت الذي سيتقلص اليورو أساساً إلى تكتل شمال أوروبي يضم فرنسا وألمانيا دون معظم دول أوروبا الجنوبية. لكن النقطة الأهم، أنه بطريقة أو بأخرى، سيجري إنقاذ اليورو، لأن الدول الأعضاء ستكون قد نظمت صفوفها.

وما سيبقى سيكون أقوى بما لا يقاس وأكثر تكاملاً؛ منطقة يورو باتحاد مصرفي، وإدارة حكومية مشتركة للسياسة المالية، وبنى سياسية مطابقة لها. ليست دولة كبيرة فيدرالية بل مزيج جديد من الدول/ الأمم ببنى دولية جديدة وهوية أوروبية منشأة حديثاً.

وستكون إحدى النتائج الثانوية للأزمة وعي كل أوروبي بالاعتماد المتبادل للقارة. وعلى هذا الأساس، فإنها ستكون لحظة خيار وجودي لبريطانيا. وأعضاء منطقة اليورو لا يتحاربون في سبيل إنقاذ اليورو لأن تكاليف الانهيار رهيبة جدا، بل لأن أوروبا يجب أن يكون لديها نظام نقدي لدعم طموحاتها في السوق الموحدة.

وتخفيض قيمة العملة، الذي يوصف بأنه دواء لكل داء ضمن الطيف الاقتصادي والسياسي البريطاني، يعمل جيدا بالتأكيد بالنسبة لدولة واحدة، إذا كانت تستطيع أن تخفض عملتها ضد دول أخرى تحافظ على استقرار عملتها.

لكن حسبما يقول الاقتصادي المشهور كينز، إذا أصبح تخفيض قيمة العملة السياسة الافتراضية للنظام برمته، وهو يشكل أمرا مغريا في عالم من أسعار الصرف العائمة، فإن الحصيلة ستكون كارثية. وهذه تشكل دعوة لجميع الدول للانخراط في سياسة إفقار الجار، من خلال التلاعب بعملاتها لرفع صادراتها وتقليص وارداتها، كما تفعل الصين منذ 30 عاماً.

 

آفاق ما بعد الأزمة

 

والسوق الموحدة تحتاج نظاماً نقدياً مصاحباً لها، وهذا ليس مبدأ خاصاً بالنخب المؤيدة لليورو، بل يتعلق بكيفية جعل السوق الموحدة مفيدة لجميع شعوبها.

ولهذا فإن أوروبا ما بعد الأزمة ستكون قاسية جدا بالنسبة لبريطانيا. والاتحاد الأوروبي الذي يحيا بإرادة اليورو سيكون مركز النظام الأوروبي. سيضع معدلات الفائدة والسياسة المالية اللتين ستمثلان المؤشر لكل دولة أوروبية.

وستكون السوق الأكبر والأكثر جاذبية في أوروبا. وهذا الأمر يحدث في الأصل. فقد اقر وزراء ومسؤولون كبار بأن بريطانيا كان عليها أن توافق على الاتحاد المصرفي، لكن لم تستطع أن تفعل إلا القليل، أو لا شيء في تشكيله.