تصف مجلة "فورين أفيرز" باراك أوباما بأنه: "أصبح نسخة طبق الأصل من جورج بوش، إنما على المنشطات"، وأوباما المسلح بـ "لائحة للتصفية"، وهو الحائز على جائزة نوبل للسلام، يستضيف الآن اجتماعات يطلق عليها "ثلاثاء الرعب" في البيت الأبيض، لمناقشة أهداف هجمات الطائرات الموجهة عن بعد في باكستان وخمس دول أخرى على الأقل.
وعلى نقيض بوش المتهرب من العمل، والذي يعرف عنه ازدراؤه للتفاصيل، فإن أوباما يوظف بشكل روتيني التدريب الذي تلقاه في القانون. وكثير من عشرات "المتشددين المشتبه بهم" الذين قتلوا بالطائرات الموجهة عن بعد أخيرا في شمال غرب باكستان هم على الأرجح أبرياء. والتقارير المجمعة من المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام في باكستان بشأن الهجمات السابقة، تتحدث عن أضرار جانبية تصل إلى مئات القتلى والمزيد من الغضب والعداء لأميركا. لكن الأمر لا يهم، ففي ظل البيروقراطية القانونية الخالية من العيوب لأوباما، فإن هجمات الطائرات الموجهة عن بعد لا يتم الاعتراف بها علنا، وإذا كان لا بد من ذلك، فإن الأرواح المدنية يجري إنكارها ببساطة، وكل القتلى من البالغين يجري تصنيفهم كـ"مقاتلين".
سؤال يفرض نفسه
ولقد وقع أوباما شخصيا على حكم الإعدام بحق شخص، وهو على علم بأن هذا الأمر سيؤدي إلى مقتل أعضاء أبرياء من العائلة. كذلك جعل إعدام أميركيين من دون محاكمة أمراً "قانونياً" ووسع من عملية مراقبتهم بالسر، وحافظ على برنامج عمليات الترحيل السري، وأخلف وعده بإغلاق معتقل غوانتانامو، وغيرها من أمور.
وربما حان الوقت لأن نعيد السؤال: من هو باراك أوباما الحقيقي؟ وكيف تبدو باكستان من خلال نظرته للعالم؟ والسؤال الأول يبدو الآن قد حسم بسرعة كبيرة، وبشكل خاص بسبب القوة الأدبية التي تتسم بها خطب أوباما وكتاباته. وليس هناك ما يدعو للاستغراب، فإن تقديمه لنفسه بعناية أغرى بعض الكتاب البارزين أدبيا. وسيرة أوباما التي نشرت بعد أن أصبح رئيسا، عقدت النظرة إليه، باعتباره حاضنا لهويات من أماكن متنوعة، من "كينيا وإندونيسيا وهاواي وهارفرد". والسيرة الجديدة لديفيد مارانيس أظهرت أن الأصدقاء الأقرب للطالب اللامع في الجامعة كانوا باكستانيين. يكتب مارانيس قائلا: "لسنوات عدة، بدأ أوباما يشارك الباكستانيين في مواقفهم كغرباء رفيعي الثقافة، ينظرون إلى السياسة من منظور عالمي، لكن للوصول إلى حيث يريد كان عليه أن يتغير.
وفي ظل ثقافة سياسية يمينية متأصلة، فقد اجبر أوباما على أن يظهر دوما اكثر شدة من خصومه البيض. وخلال سجالات حملته الانتخابية الرئاسية عام 2008 مع جون ماكين، اذهل أوباما كثيرين بتهديداته بتوسيع الحرب في أفغانستان إلى باكستان. وبشكل يدعو للقلق، ادعى موافقة وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر الذي شارك الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في تدمير كمبوديا، مما فتح الطريق لوصول بول بوت، فيما كان تدمير فيتنام يجري على قدم وساق. ولا يمكن القول إننا لم نكن مستعدين لما يرتكبه أوباما في باكستان. ويصح أيضا القول إن حرب الطائرات الموجهة عن بعد تظهر الأمراض نفسها، من جنون الارتياب، والإيمان المطلق بالتكنولوجيا وخرافات عدد الجثث، التي قوضت أميركا في فيتنام.
جدل القوة والضعف
خلال حملة القصف المطولة المسماة "رولينغ ثندر"، فإن الرئيس الأميركي الأسبق ليندن جونسون اختار شخصيا أهدافا في الهند الصينية، معتقدا بأن "جرعات من القوة محسوبة بعناية يمكن أن تجلب ردودا مرغوبا بها ومتوقعة من هانوي".
لكن طبعا "القوة" كما يشير جيمس بالدوين خلال الهجوم اليائس الأخير لكيسنجر ونيكسون على الهند الصينية "لا تكشف للضحية عن قوة خصمها، بل على العكس تماما، تكشف عن ضعفه وحتى رعبه، وهذا يشحن الضحية بالصبر". والطواقم الأميركية الأخيرة في فيتنام تم ترحيلها من سطح السفارة الأميركية في سايغون، وقد يكون هذا أيضا مصير المهمة الغربية في أفغانستان. ومن الواضح أن طالبان لن يقضى عليها أو تستسلم، وباكستان الدولة الضعيفة، وحكامها الذين تجري مضايقتهم لكي يذعنوا، هي المكان الأسهل لإظهار قوة النار الأميركية.
ترجمة ــ نهى حوّا
خدعة مؤلمة
أسرع أوباما إلى الاعتذار لبولندا، لقوله في خطاب ألقاه أخيرا "معسكرات الموت البولندية"، بدلا من "معسكرات الموت في بولندا". لكنه يرفض الاعتذار عن الضربات الجوية الأميركية التي قتلت 24 جنديا باكستانيا في نوفمبر السنة الماضية. والغضب الشعبي المنتشر أجبر الحكومة الباكستانية على وقف إمدادات المؤن لـ "ناتو" في أفغانستان، وأي إشارة إلى وجود ضعف حول القضية السيادية الحساسة ستقوي على الأرجح بعض المتشددين الأكثر شرا في البلاد. وبالتالي، احتمالات الاستقرار السياسي المحدودة في دولة مقصوفة هي الآن رهن ضراوة أوباما ما قبل الانتخابات. استنادا إلى بوب وودوارد، هلل بوش في الأشهر الأخيرة من وجوده في البيت الأبيض قائلا: "نحن نقتلهم جميعا". والآن، هناك رجل آخر يجلس في البيت الأبيض يتمعن في "لائحة التصفية" الخاصة به، ويخطط لإعادة انتخابه، بعد أن أحدث الخدعة السياسية الأكثر إيلاما في تاريخنا المعاصر.
