تبدو وكالات الأمن البحري التي تعمل في الصين، والتي جرى تشكيلها بطريقة معقدة جدا، كما لو كانت تخوض حربا فيما بينها للحصول على المزيد من الصلاحيات والنفوذ. وهذا الأمر ظهر للعيان بشكل جلي عندما عقدت اليابان والصين أول مباحثات حكومية بينهما حول الشؤون البحرية أخيرا.

ولدى الصين خمس وكالات أمن بحرية، ولا يوجد توزيع واضح للمسؤوليات أو للسلطات فيما بينها. والوكالات الخمس هي: أولا، خفر السواحل الصيني الذي يتبع وزارة الأمن العام. وثانيا، إدارة السلامة البحرية التابعة لوزارة النقل. وثالثا، قيادة تطبيق القانون على صيد الأسماك التي تتبع وزارة الزراعة. ورابعا، إدارة علوم المحيطات الحكومية التابعة لوزارة الأراضي والموارد، وخامسا، الإدارة العامة للجمارك.

مسؤوليات متداخلة

وكل من تلك الوكالات التي يشار إليها بشكل جماعي بـ "التنانين الخمسة" لديها وحداتها شبه العسكرية. وإجمالي الطواقم التي لدى هذه الوكالات ككل يصل إلى حوالي 40 ألف عنصر، وذلك بالمقارنة مع 12 ألف عنصر لخفر السواحل الياباني. ونظرا لكون طول الخط الساحلي لليابان يصل إلى 30 ألف كم بالمقارنة مع الخط الساحلي للصين البالغ 18 ألف كم، فإن هذا الرقم يشير إلى العدد الكبير للقوات الصينية.

وخفر السواحل الصيني المكون من 10 آلاف عنصر يملك زوارق سريعة وسفن دورية صغيرة، بالإضافة إلى الأسلحة النارية الصغيرة. وخلافا للاعتقاد السائد في اليابان، فإن السفن الصينية التي يمكن رؤيتها قرب جزر "سنكاكو" اليابانية منذ حادثة الاصطدام هناك في عام 2010، لا تعود لخفر السواحل، بل لقيادة تطبيق القانون على صيد الأسماك، التي يقل عدد قواها العاملة عن عدد رجال خفر السواحل الصيني.

لكن هذه القيادة لديها سفن كبيرة يزيد وزنها عن 4 آلاف طن، وبعضها كانت سفنا حربية تابعة لسلاح البحرية. وبعض هذه السفن شوهدت أيضا قرب جزر "سبراتلي وباراسيل" في بحر الصين الجنوبي، حيث لدى الصين منازعات إقليمية مع الدول المجاورة.

ومسؤولية الإشراف على الموارد البحرية ما عدا صيد الأسماك تعود إلى إدارة علوم المحيطات الحكومية. ويقدر أن لهذا الجهاز اكثر من 6 آلاف طاقم عمل مجهزة بأكثر من 20 سفينة متوسطة وكبيرة الحجم، كل واحدة منها تزن أكثر من الف طن.

وإدارة السلامة البحرية تتألف من 20 ألف عنصر، وهي الأكبر ضمن التنانين الخمسة.

ولدى التنانين الخمسة مسؤوليات متداخلة. في مناطق "سكاربورو" الضحلة حيث احتدم الخلاف بين الصين والفلبين لأكثر من شهر، تم التأكد من وجود سفن صينية تابعة لقيادة تطبيق القانون على صيد السمك وإدارة علوم المحيطات الحكومية. وهذه السفن إلى جانب سفن البحرية الصينية قطعت مرور سفن المراقبة الأميركية في المحيط.

علامة استفهام شائكة

لكن لماذا يوجد هذا الكم من الوكالات الأمنية المختلفة في الصين لتطبيق القانون في البحر؟

إحدى الإجابات عن علامة الاستفهام الشائكة هذه تتمثل في أن جيش التحرير الشعبي الصيني كان قد أهمل سلاح البحرية لفترة طويلة. وعلى هذا الأساس، طورت الوكالات المختلفة وحدات شبه عسكرية للتعويض عن الضعف النسبي لهذا السلاح.

ومنذ سقوط بو زيلاي الذي ترأس لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مدينة تشونكينغ، تبدو الرياح السياسية مائلة لصالح خفر السواحل الصيني. ووزير الأمن العام السابق زو يانغ كانغ خسر في الظاهر سلطته ونفوذه منذ سقوط بو زيلاي، وقد حل محله مينغ جيانزو، الذي يعتبر مرشحا مضمون الفوز بمنصب في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني. وهذا يعني أنه أيا كان المسؤول الذي سيمثل مصالح خفر السواحل الصيني فإنه سيكون منجذبا نحو مركز السلطة السياسية في الصين.

ومن دون حل في الأفق لصراع السلطة المرير بين التنانين الخمسة، يبدو الأمل في اندماج أو تنظيم وكالات الأمن البحري شبه العسكرية شبه مفقود. وفي سبيل زيادة قواتها وحماية مصالحها، فإنه من المتوقع أن تستمر هذه الوكالات في الانخراط في نشاطات في البحر تسبب احتكاكات.

إذا اتخذت اليابان أو أي دولة جارة موقفا عدائيا طائشا تجاه أي من هذه الوكالات، فإنها يمكن أن تعطي الصين الفرصة لاستغلال الوضع، وهذا يعني مشكلة كبيرة للدول المجاورة للصين.