بعد مرور ثمانية شهور على الإطاحة بالرئيس الليبي السابق معمر القذافي، بات على الصحافيين الساعين لتغطية الحروب في ليبيا التوجه عميقاً إلى الصحراء لإيجادها. وبالنسبة لحكام ليبيا الجدد، يشكل الجنوب المضطرب، الذي يعد موطن آبار المياه والنفط في ليبيا، مكاناً لتثبيط العزائم. فمنذ إعلان مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي نهاية للحرب الأهلية أواخر أكتوبر الماضي، أصبح العنف في الجنوب أسوأ مما كان عليه خلال الصراع للإطاحة بالقذافي، حيث سقط مئات القتلى وألوف الجرحى هناك. وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، جرى تهجير عشرات الألوف جراء صراعات عرقية. وتبدو البلاد من دون دكتاتورها في حالة غليان.

وإذا كانت المناطق الحدودية في حالة نزاع، فإن مركز البلاد كما يتبين من الوهلة الأولى، قد اتخذ خطوات جادة لإقامة سلطة يأمل مهندسوها بأن تنعكس إيجابا على المقاطعات. وكما كان الوضع في ظل حكم القذافي، فإن طرابلس تعرض أفضل ما لدى ليبيا الثورية، حيث الخدمات العامة تعمل جيداً، وأجهزة التكييف تهدئ المزاج، وموظفو الخدمة العامة يتواجدون في الوزارات. وقد رفعت المصارف القيود عن سحب الأموال النقدية. وتقوم خطوط الطيران الدولية بحمل بضائع المنقبين عن النفط ورجال الأعمال، في حين إن خزائن الحكومة تمتلأ بإيرادات النفط التي تبلغ نحو 5 مليارات دولار شهريا. وعلى عكس تحول بغداد السريع إلى حالة من التمرد بعد إسقاط صدام حسين من قبل الولايات المتحدة، فإن طرابلس قد عادت إلى العمل على وجه السرعة.

تراجع الميليشيات

ولقد تراجع حضور الميلشيات أيضا، وأزيلت مراكز التفتيش المسلحة التي كانت تقيمها القوات النظامية الموجودة في العاصمة، وسكتت أسلحتهم الثقيلة. وعلى الرغم من انتشار الأسلحة، حيث يقدر أن نحو 20 مليون سلاح آلي يجري تداوله في طرابلس، فإن مستوى الجرائم في طرابلس أقل من مستوى الجرائم في كثير من العواصم الغربية. وكان مديرو المتاجر قد غسلوا اللون الأخضر، وهو لون كتاب القذافي الذي ألفه لإبراز نظريته العالمية الثالثة.

وفي مجلس الشعب حيث كان المندوبون ينتظرون القائد العظيم لرفع يده قبل التصويت، تحتشد القاعة بمجموعة كبيرة من منظمات المجتمع التي تنتقد إدارة المجلس الوطني الانتقالي. وهناك محطات إذاعة جديدة تقدم أخباراً عن الازدحام المروري، وهو أمر جديد في بلد كان قد منع القذافي فيه أي تقارير عن حوادث السيارات والازدحام المروري خوفا من أن تلطخ سمعة اليوتوبيا التي بناها. وعلى الراديو هناك أغان كان القذافي قد منعها لكونها من موسيقى البوب الغربي.

ولقد أصبح لدى البلاد، بدلا من ميلودرامي مصاب بجنون العظمة، أستاذ يتحدث بلطف، هو رئيس الوزراء عبدالرحيم الكيب، الذي تجعله طبيعته البعيدة عن الأضواء عرضه للهجوم. وكان التغيير السريع في الحكومات الليبية المتعاقبة قد أربك جهود رسم خطط التنمية. يقول الوزراء إن تفويضهم الوحيد هو إعداد صناديق الاقتراع لمؤتمر وطني منتخب. ويستخدم المسؤولون في معظم الأحيان صيغة «ليس قبل الانتخابات»، مشددين على أن السلطة المنتخبة ستكون لديها الشرعية للقيام بتغييرات مهمة.

وحصيلة ذلك هو أن جزءًا من البيروقراطية يستمر في العمل بشكل واسع، وهذا الجزء ينتمي إلى نظام القذافي القديم. وتمضي أساليب العمل القديمة في العمل. وكان المجلس الوطني الانتقالي قد تعرض لضغوط هائلة من العمال المضربين للاحتفاظ بحقهم في انتخاب رؤسائهم بحسب النظرية العالمية الثالثة. ويصارع الثوريون في معظم الأحيان لإيجاد مصطلحات تناسب فترة ما بعد القذافي، وطريقة عمل جديدة لمؤسساتهم.

ولا زالت «اللجان الثورية» تواصل ممارسة نفوذها كجزء من حكومة الظل، وتبقى الكتيبة شبه العسكرية تحت سيطرة سلسلة القيادة السابقة. يقول لنا وزير الصناعة: «بعد أربعين عاماً، لا زال القذافي يعشعش في عقولنا»، وحيث لا تؤدي الدولة وظائفها على الوجه الأكمل، توجد حالات تبعث على الفوضى.

مهمة شبه مستحيلة

وإعادة تثبيت الأمن والنظام برهنت على أنها أصعب المهام لأن ميلشيات عدة تريد توفير بدائل. وقد نجحت الحكومة في التزلف إلى رجال الميلشيات لاتخاذ قرار رسمي بمغادرة مطار العاصمة. لكن وحدات كاملة قامت بتبديل البزات العسكرية وطلت سياراتها باللونين الأحمر والأبيض الخاصين بسيارات الأمن. لكن ليبيا الحديثة لا تملك نظام جنائيا للعدالة حتى الآن، نظرا لأن القضاة متخوفون من إصدار الأحكام، ولأن الشرطة غير قادرة على تطبيقها.

وفي ظل هذا الوضع، تقدم الميلشيات جزءًا مما هو موجود من عدالة صلفة، وتحافظ على مراكز اعتقال خاصة بها كترتيب مؤقت، حيث يوجد نحو خمسة آلاف شخص مقبوض عليهم، ومعتقلون دون محاكمة. يقول فرح سويحلي، قائد ميلشيا من مصراتة رفض أن يسلم مقر قيادته في الكلية العسكرية للنساء في طرابلس، على الرغم من طلب حكومي بذلك: «طرابلس آمنة طالما أن الثوار موجودون هنا».

ووصول شركات أمنية خاصة إلى ليبيا، وبشكل خاص من لندن، قوض بشكل كبير أمل الحكومة في احتكار استخدام القوة، حيث يلاحق جنود متقاعدون من بغداد وكابول، أزمات العالم لبيع خدمات الارتزاق. وعلى الرغم من أنهم يحملون السلاح، فإن قلة منهم مسجلون رسمياً. وكان الوفد الأوروبي قد عقد صفقة حماية مع شركة «جي 4 أس»، وهي شركة تساعد في حماية سجن «عوفر» الإسرائيلي في الضفة الغربية.

وفي ظل وجود «الأمن» في أياد متنافسة عدة، فإن كثيرين يتخوفون من أن يزداد العنف سوءًا. ومسؤولو الأمن يحاولون غرس شيء ما في هذا الجنون، ويقدرون أن نحو 15 ألف مقاتل شاركوا في معركة إسقاط القذافي، ويقولون إن الألوف من هؤلاء عادوا إلى وظائفهم السابقة. لكن محاولات السلطة تشكيل جهاز أمني جديد من بقايا هذه المجموعات وصل إلى طريق مسدود. فبعد إغرائهم بتقديم رواتب حكومية تصل إلى 4 آلاف دينار للرجال المتزوجين الذي حملوا السلاح ضد نظام القذافي و2400 للعازبين منهم، مع التغطية على تاريخهم في التورط مع القذافي، فإن مئات الألوف الإضافية من المسلحين سجلوا أسماءهم بوصفهم «ثوريين»، زاعمين انتماءهم إلى ما يصل إلى 60 ميلشيا. يقول مصطفى رجباني وزير العمل ومدير في شركة «أي بي أم» سابقا: «في الحقيقة لا أحد يعرف عددهم».

وتزعم السلطات أنها أنشأت قوة أمنية قوامها 78 ألف شخص، وهي مستقلة عن الميلشيات، وكانت قد أرسلت بضع مئات من الضباط والرجال، معظمهم من جيش القذافي القديم، إلى الجنوب لإقامة مناطق عازلة بين القوى المتناحرة. وقد قرر الجيش إقامة منطقة يجري فيها استبعاد الميليشيات تمتد على مسافة 20 كيلومترا على الحدود الغربية، لكن هذا الأمر لا زال غير مطبق، والتاريخ النهائي في 2 أبريل لحل المليشيات لم يتم الالتزام به. ومع هجمات متقطعة على مكتب رئيس مجلس الوزراء، بما في ذلك في طرابلس، تبدو الحكومة أكثر سرعة للتخلص من الميلشيات.

تطلع إلى الانتخابات

وانتخابات المؤتمر الوطني بمقاعده المئتين تبقى الفرصة الأفضل لاستبدال الميلشيات بشرعية صناديق الاقتراع. وكان أيان مارتن الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، قد حاول جعل المجلس الانتقالي يحتفظ بالجدول الزمني للانتخابات. كان تسجيل الناخبين قد مضى بسلاسة حتى في المناطق الجنوبية. واستنادا إلى الأمم المتحدة، فإن اكثر من مليوني ناخب ليبي من اصل نحو ثلاثة ملايين ناخب تم تسجيلهم خلال الأسبوعين الأولين.

لكن الانتخابات تأجلت، وهناك داخل المجلس الوطني من يرفض التخلي عن الدجاجة التي تبيض ذهباً، ويقول إنه لا يفترض استعجال الانتخابات. والسياسيون الذين ينتمون للقبائل والمجتمعات يفضلون عقد انتخابات محلية أولاً في سبيل شراء الوقت لبناء قواعد سلطة إقليمية. وفوق كل شيء، فإن الميليشيات تخاف من أن تسرق حكومة منتخبة منها سلطتها ومصداقيتها الثورية.

وليس هناك من مكان تتمتع به الميلشيات بالقوة كما في بنغازي. وبعد سنة من الشلل، تبخرت الإرادة الطيبة التي لا زالت تبقي دولاب السلطة المركزية يدور في طرابلس، وأغلقت قاعة المحكمة حيث هلل عشرات الألوف للحكام الجدد في الأيام الأولى من الانتفاضة، وغادر قادتها منذ مدة إلى عالم الترف حيث أغراهم السكن مجاناً في فندق ريكسوس. يقول أحد هواة كرة القدم، وهو شاب في منتصف العمر: «على الأقل كان هناك نظام، أما الآن فلا يوجد شيء».

 

إزالة بقايا النظام السابق

 

يقول نيكولاس بيلهام في صحيفة «نيويورك تايمز ريفيو أوف بوكس»: «إن قدرة الميليشيات على إفساد المسار الانتخابي أو نظام الحكم الجديد كبيرة». ويشير حسين بن أحمد، وهو مهندس نفط يستضيف مؤتمراً لميليشيات الثورة إلى أن: «الثوار مطالبون بقيادة الثورة لا دحرها»، وكان مندوبو المؤتمر قد قرروا في جلستهم الختامية عدم تسليم أسلحتهم، التي يرون أنهم حصلوا عليها من قوات النظام السابق، كما طرح بعضهم خططاً لميليشيات متحدة لحماية الثورة.

ويرى بيلهام أن بعضهم، على الأقل، يبدو مستعداً لاستخدام القوة للدفاع عن سلطته، مستشهداً بإلقاء اصبع ديناميت تحت سيارة أيان مارتن المصفحة إثر وصوله خارج مكتب وزير الداخلية في بنغازي لمناقشة خطط إصلاح القطاع الأمني، وباختطاف عضوين من المجلس الوطني الانتقالي لدعمهم إلغاء المجلس العطاءات لرجال الميليشيات، وبفتح النيران في 8 مايو الماضي على مكتب رئيس الوزراء في طرابلس بمدافع مضادة للدبابات. ويقول إنه في مقابل هذه الضغوط، كانت هناك إشارات إلى قيام المجلس الوطني الانتقالي بالرضوخ، حيث وافق على إنشاء لجنة وطنية ونزاهة، وعين لجنة لنزع القذافية، التي ستتولى فحص كل التعيينات من المسؤولين إلى المرشحين للانتخابات.

ويشير إلى وجود أصوات اكثر اتزاناً تحذر من التخلص الكامل من كل بقايا عمال الخدمة المدنية والقوات الأمنية من القدامى، خوفاً من التعجيل في انهيار البلد، كما حصل في العراق لسنوات عدة. وينقل عن تاجر سيارات أمضى سنوات في أقبية التعذيب قوله: «دولة صغيرة لا يمكنها أن تتحمل مثل هذه الخسارة من الموظفين المؤهلين».

 

إضرابات استثنائية

 

تعد الإضرابات في طرابلس أمراً استثنائياً، إلا أنها تشكل الأساس في بنغازي. وأخيرا قطع جرحى الحرب الطريق الساحلية لإجبار الحكومة على دفع تكاليف علاجهم الطبي في الخارج. وركن متعهدون لنقل النفط شاحناتهم خارج المرائب للمطالبة برفع الأسعار. وأغلق المقر الرئيسي لشركة «أجوكو»، الفرع الشرقي لشركة النفط الوطنية التي عملت في الأشهر الأولى من الثورة، والتي يمر عبرها معظم تدفقات النفط في البلاد، وذلك لأربعة أسابيع في أبريل ومايو الماضيين. وكان مضربون أخيرا وضعوا متاريس على أبواب الشركة، ويقول أحد المحتجين وهو عامل تنظيف صرف من الخدمة في مقابل عمالة أرخص من بنغلادش: «حمينا الشركة من القذافي بأرواحنا، ولم نُعطَ شيئا في المقابل».

ومع انهيار السلطة المركزية، فإن الميلشيات باتت تحكم في بنغازي وحواليها، وكان قد التقى أخيرا مئات من أعضاء الميلشيات في المدينة في مؤتمر يهدف إلى توحيد صفوفهم وإعادة المطالبة بما يرونه حقهم من المجلس الوطني أو أية سلطة منتخبة قد تليه.

وكثير من أعضاء الميلشيات السابقين يبدو مصدوماً من نفور الليبيين منهم. يقول احد الأطباء النفسيين: «عادوا من الجبهة من الحرب ليجدوا أن لا أحد يريدهم، اعتقدوا بأنهم أبطال وعوملوا كأنهم مثيرو شغب. لهذا السبب يتصرفون بعدائية وبصخب. ولهذا يقولون إن ليبيا تحتاج إلى ثورة أخرى».