على الرغم من التظاهرات المفعمة بمشاعر السخط التي تجتاح مصر الآن، في أعقاب صدور الحكم المؤبد على الرئيس المصري السابق حسني مبارك، إلا أن القيمة الرمزية لمحاكمته لا يمكن تجاهلها كلية، ذلك أن محاكمة رئيس عربي أمام محكمة في بلاده تشكل لحظة فارقة ليس بالنسبة لمصر وحدها، وإنما بالنسبة للمنطقة بأسرها. كذلك فإن الحكم بالسجن المؤبد على مبارك ليس بالشيء الذي يؤسف عليه كلية، ومن شأن الحكم عليه بالإعدام أن يبدو غير مناسب وربما غير إنساني بالنسبة لرجل مريض ومتقدم في العمر مثل مبارك، ولكن بينما يمكن أن تكون القضية التي قدمها المدعي العام ضعيفة حقا ، وبالتالي تكون المحاكمة عادلة قانونا، فإن النتيجة النهائية لا يمكنها أن تحجب الشكوك التي تدور حول أن النظام القديم في أفضل الأحوال قد قطعت رأسه ولكنه لم يتم تفكيكه.
مثل هذه الشكوك والتوجسات ليست جديدة، فالتظاهرات التي اندلعت منذ سقوط حكم مبارك قمعت بالقوة، والمجلس العسكري لم يطلق الإصلاحات التي تمس إليها الحاجة، سواء في الجهاز القضائي أو الشرطة ، كما أنه لم يبذل إلا الحد الأدنى من الجهد للعثور على أولئك الذين يقفون وراء العنف الذي اندلع العام الماضي. وحتى إنهاء العمل أخيرا بالأحكام العرفية ،التي ارتبطت بالثلاثين عاما التي أمضاها مبارك في السلطة، ليس في حقيقة الأمر ما يبدو في ظاهره، فليست هناك مؤشرات تذكر إلى أن الذين اعتقلوا وفقا للأحكام العرفية سيطلق سراحهم، وفي الوقت نفسه تتواصل جلسات المحاكم التي تقوم بمحاكمة المحتجين، وبالتالي فإن العسكريين فيما يبدو قد أحبطوا آمال الثورة.
