يهيمن الغضب الشديد على العديد من أرجاء مصر الآن، وهو غضب في غير موضعه في الغالب، ويرجع جانب لا يستهان به من هذا الغضب إلى الأحكام الصادرة ضد الرئيس المصري السابق حسني مبارك ونجليه وكبار معاونيه، ولكنه أيضا يرجع إلى الورطة التي وجد المصريون أنفسهم فيها بعد أن أخفق المرشحون الثوريون في انتخابات الرئاسة في الاتفاق على مرشح واحد يجمع صفوفهم في خوض الانتخابات.

وقد توقف المراقبون طويلا عند موقف الشارع المصري عقب الإعلان عن نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، حيث انطلق مئات الألوف من المصريين للتعبير عن رفضهم للخيار المطروح عليهم بين الدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين والفريق احمد شفيق آخر رئيس للوزراء في عهد مبارك.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتم إحراق أحد مكاتب حملة شفيق الانتخابية على الرغم من أن ألسنة اللهب قد تمت السيطرة عليها على وجه السرعة.

أسوأ الأوضاع

وبينما لا يتردد المتظاهرون في الإعراب عن رفضهم للمرشحين كليهما، فإنهم ينظرون بوضوح إلى شفيق باعتباره هدفهم الرئيسي. هل هناك مزاعم بتزوير الانتخابات؟ لم يكن بمقدور أحد أن يبرهن على حدوث عملية تزوير واسعة النطاق.

هل كان بالإمكان إزاحة شفيق من خلال تطبيق قانون العزل؟ لقد تم التصدي لهذا القانون باعتباره غير دستوري، ولا يتوقع أن يسفر متابعة هذه المسيرة عن نتيجة تذكر على الرغم من أن بعض المصريين يرون في متابعة الإجراءات القانونية بارقة أمل.

ومن الصعب تصور وضع أسوأ مما تمر به مصر الآن، سواء في معرض الاحتجاج على أحكام قضية مبارك، أو الاعتراض على الخيار الصعب بين هذين المرشحين. ولا يتردد الكثير من المصريين في القول إن أحد هذين المرشحين لا يحترم حرياتنا الشخصية، والآخر لا يحترم حياتنا، وما من أحد منهما يمثلنا، ونحن نخاف على مستقبل البلاد، ونأمل في حمايتها من الرجلين والإيديولوجيتين اللذين يطالبوننا بالاختيار بينهما.

ولا تبدو في الأفق بدائل واضحة، فعملية بناء ائتلاف معارضة كان يمكن أن تكون مثيرة للاهتمام لو أنها لم تكن أقرب إلى تجمع مرشحين خاسرين يفتقرون إلى القدرة على وضع اقتراحاتهم موضع التنفيذ، فهل يمكن أن نصل إلى مرحلة القبول؟ تلك هي المرحلة التي يتعين على المصريين فيها القبول بمصيرهم والتصالح مع ما هو حتمي، ولكن ذلك لا يبدو محتملا للغاية حتى الآن.

في حقيقة الأمر أنه لم يمض وقت طويل على إعلان نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات، حتى كانت نوعية أخرى من المساومة قد بدأت بالفعل، حيث تعددت الاقتراحات ومن بينها الاقتراح بإنشاء مجلس رئاسي وتكوين كتلة اقتراع ثورية. وانبرى مرشحون لم يقدر لهم التوفيق يطالبون المرشحين الباقين بضمانات معينة، مثل استقلال الحكومة عن الرئيس، وتعيين شخصيات عامة تنتمي إلى الثورة في مناصب رئيسية.

بين الكارثة والمصيبة

غير أنه في حقيقة الأمر، فإن معظم الناشطين الذين يواجهون خيارا بين الكارثة والمصيبة، على حد تعبيرهم، لديهم مرشح يرغبونه أكثر من أي شخص آخر، وهو أحمد شفيق الذي سيكون انتخابه أسوأ إهانة توجه إلى جهودهم، وإلى أرواح الشهداء.

وهكذا فإنه في نهاية المطاف تعد المفاوضات مع المرشحين كليهما هي في حقيقة الأمر مفاوضات مع دكتور مرسي، وذلك على أمل أنه سيوافق على مطالبهم، ذلك لأن التوصل إلى صفقة مع شفيق سيكون أمرا لا يمكن تصوره على الصعيد الأخلاقي.

وهناك وثيقة تم إطلاقها عبر موقع "كلنا خالد سعيد" على الفيسبوك، والتي تعد المعقل الإلكتروني للثورة ، وتحدد هذه الوثيقة عددا من الشروط المطلوب تلبيتها من جانب الرئيس الجديد، ومن بينها التمثيل الوطني المناسب من مختلف عناصر الطيف السياسي والديني في لجنة صياغة الدستور وفي الحكومة التي سيتم تشكيلها. وكذلك تعيين شخصيتين مستقلتين نائبين للرئيس.

بالإضافة إلى حزمة من مشروعات القوانين، تشمل عدم تقديم المدنيين للمحاكم العسكرية، وتحديد حد أدنى للأجور، وما إلى ذلك. وقد حملت هذه الوثيقة 150 ألف توقيع تقريبا في غضون 4 أيام فقط.

وبينما تظل مقدمة هذه الوثيقة عامة، ولا تأتي على ذكر أي من المرشحين، فإن من الواضح أن هذه المطالب موجهة إلى محمد مرسي، الذي قال بوضوح في مقابلة تلفزيونية إنه على استعداد لتوقيع هذه الوثيقة، على الرغم ومن أنه لم يقم بذلك بالفعل.

 ومن المحاولات التي بذلت كذلك ، والتي تجاوزتها الأحداث، التوصل إلى ثلاثة مرشحين سابقين يحظون بالتأييد من المعسكر الثوري، وهم حمدين صباحي وخالد علي وعبد المنعم أبو الفتوح، لتشكيل مجلس رئاسي يحكم البلاد، غير أن هذه المحاولة لم يقدر لها الصمود.

شرعية الانتخاب

 

يميل الكثير من المصريين إلى انتخاب المرشح الذي يرونه أقل سوءا، ولكنهم يعتقدون أن ذلك لا ينتزع منهم في الوقت نفسه الحق في رفض شرعية عملية الانتخاب بكاملها، التي يرون أنها تتم في ظل حكم عسكري غير شرعي، وهي العملية التي يفترض بها أن تمثل منصبا لم تحدد صلاحيات صاحبه بعد بمقتضى الدستور، والتي تسمح لرجل مثل أحمد شفيق بخوض انتخابات الرئاسة، بينما تحجب إمكانية خوضها عن مرشحين آخرين.

ولا تتردد الأغلبية من المصريين التي تتبنى خيار المرشح الأقل سوءا في القول إنها في اللحظة التي تضع ورقة الانتخاب في الصندوق ستعود إلى الانضمام إلى صفوف المعارضة النشطة، بغض النظر عن المرشح الذي سيقدر له الفوز في نهاية المطاف.