مضى أكثر من عقد من الزمان على شنّ الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ما يسمى بـ الحرب على الإرهاب التي يفترض أنها تضع الآن أوزارها. انتهى احتلال الولايات المتحدة للعراق، فيما يبحث حلف ناتو عن طريقة للخروج من أفغانستان، حتى وإن كانت المجزرة لا تزال مستمرة. لكن حرباً أخرى، وهي حرب غير معلنة يتم شنها بطائرات موجّهة عن بُعد قتلت الآلاف، يجري الآن تصعيدها بلا هوادة.
قائمة المطلوبين
من باكستان إلى الصومال، شنت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية هجمات موجّهة عن بُعد بصواريخ هيلفاير على قائمة المطلوبين الآخذة في التوسع من المشتبه بأنهم إرهابيون، وقتلت المئات وربما الآلاف، من المدنيين غمار هذه العملية.
فقد شنت ما لا يقل عن 15 غارة بالطائرات الموجّهة عن بُعد في اليمن، أخيراً، فضلاً عن العديد من الهجمات التي تم تنفيذها خلال العقد الماضي، ما أسفر عن مقتل العشرات، في حين أنه في باكستان فقد تم إطلاق سلسلة من الهجمات الأميركية ضد أهداف مفترضة للمتشددين، أخيراً، و قتل 35 شخصاً و قصف مسجد وأحد المخابز.
تصعيد الحرب
القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة لتصعيد الحرب باستخدام طائرات موجّهة عن بعد في باكستان، والذي عارضه كل من الحكومة والبرلمان في إسلام أباد لكونه غير قانوني و يشكل انتهاكا للسيادة، يعكس غضب أميركا إزاء حبس عميل في وكالة الاستخبارات المركزية متورط في مطاردة بن لادن ورفض باكستان إعادة فتح طرق الإمداد لقوات حلف ناتو في أفغانستان. تم إغلاق تلك الطرق احتجاجا على قتل الولايات المتحدة 24 جندياً باكستانياً في شهر نوفمبر الماضي، وهي العملية التي لا تزال واشنطن ترفض الاعتذار عنها.
يصف واجد شمس الحسن، وهو المفوض السامي الباكستاني في لندن، التصعيد الأخير من جانب الولايات المتحدة بأنه عقابي. ولكن بعد ذلك كانت الطائرات من طراز بريديتور و ريبرز هي أسلحة الخيار والإكراه بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما، تم نشرها فقط في أراضي حلفاء الولايات المتحدة التي تعاني عدم الاستقرار، مثل باكستان واليمن، و كانت الحرب بالطائرات الموجّهة عن بعد هي حرب أوباما.
في أول عامين من ولايته الأولى، زاد الرئيس الأميركي الهجمات بمقدار ثلاثة أضعاف في باكستان وحدها. وبالنسبة لأبطال الولايات المتحدة، فإن الطائرات الموجّهة عن بعد تتميز بأنها لم تسفر عن إصابات بين أميركيين، في حين يستهدف الاشرار الذين أفلتوا من بوش في غمار حماسه لإخضاع العراق. فالمتحمسون يتباهون بدقتها و قدرتها على المراقبة الشاملة، والتي يديرها فنيون على بعد آلاف الأميال في ولاية نيفادا.
تقارير
ولكن ذلك مجرد خيال كمبيوتري للعبة حرب إكلينيكية. منذ عام 2004، تفيد التقارير أن هناك ما بين 2464 شخصا و 3145 شخصا لقوا مصرعهم في هجمات الطائرات الأميركية الموجّهة عن بُعد في باكستان، من بينهم ما يصل إلى 828 مدنياً (535 شخصا في عهد أوباما)، و 175 طفلاً. وتشير بعض التقديرات الباكستانية إلى أن عدد القتلى المدنيين أعلى من ذلك بكثير، في ظل الميل إلى الادعاء بأن المتشددين هم ضحايا تبين فيما بعد أنهم ليسوا شيئاً من هذا القبيل.
أصرّ الرئيس الأميركي، أخيراً، على أن عدد القتلى من المدنيين لم يكن عدداً كبيراً. ربما لم يكن على نطاق العراق حيث قتل مئات الآلاف، أو أفغانستان حيث لقي عشرات الآلاف حتفهم. ولكنها تشمل بشكل بشع مقتل عشرات الأشخاص في هجمات ملاحقة بعدما ذهبوا لمساعدة ضحايا الغارات في وقت سابق، وكذلك المراهقين مثل خان طارق الصبي الباكستاني الذي كان يبلغ من العمر 16 عاماً حيث قطعت رأسه في غارة في شهر نوفمبر الماضي بعد أن كان قد سافر إلى إسلام آباد للاحتجاج على الهجمات بالطائرات الموجّهة عن بُعد.
تعد عمليات القتل هذه، في الواقع، بمثابة عمليات إعدام دون محاكمة، و تعتبر على نطاق واسع من قبل المحامين الدوليين جرائم حرب محتملة من قبل المحامين الدوليين، بما في ذلك المقرر الخاص للأمم المتحدة بشأن عمليات القتل خارج نطاق القانون فيليب ألستون. وكان جون ريزو المحامي بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وهو متقاعد حالياً، الذي اعتمد هجمات الطائرات الموجّهة عن بُعد، قد تحدث هو نفسه بأنه متورط في جريمة قتل.
منذ عقد من الزمان، وجّهت الولايات المتحدة انتقاداً لإسرائيل على عمليات القتل خارج نطاق القضاء، لكنها تزعم الآن أنه دفاع عن النفس في الحرب ضد تنظيم القاعدة. غير أن هذه الهجمات تم تنفيذها بشكل روتيني على أساس المعلومات الاستخباراتية الخاطئة، في بلدان مثل باكستان حيث تم اعلان الحرب و بدون موافقة الحكومة المنتخبة.
يستعد المحامون الذين يمثلون أسر الضحايا الآن لاتخاذ إجراءات قانونية ضد الحكومة البريطانية، التي تنفذ هجماتها بطائراتها الموجّهة عن بُعد في أفغانستان، للمشاركة في جرائم حرب من خلال تمرير معلومات استخباراتية لوكالة الاستخبارات البريطانية إلى نظيرتها الأميركية لتنفيذ عمليات القتل المستهدف. هناك دعاوى قضائية موازية أقيمت ضد الحكومة الباكستانية وشركة جنرال الكتريك المصنعة لهذا النوع من الطائرات، التي يفيد شعارها: نحمل الأشياء الطيبة إلى الحياة.
