عندما يتعلق الأمر بجماعة الإخوان المسلمين، فإنه حتى البعيدين عن الاهتمام بالتيار الديني يبدون اهتماماً مفاجئاً بما يدور في كواليسها، حيث تتعدد التساؤلات: هل هم ديمقراطيون حقاً؟ ما الذي يؤمنون به في واقع الأمر؟ لقد آن الأوان لكي يقوم المحللون بترك هذه الأسئلة لمن لديهم معرفة أدق بالجماعة، والأمر الأكثر أهمية الآن هو التساؤل عما يعتزم قادة الحركة القيام به، وما الذي يستطيعون إنجازه لدى توليهم الرئاسة.
إذا جاءت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في مصر بصورة بعيدة عن التزوير والتلاعب بالأصوات، فإن من المعتقد أن مرشح الجماعة د. محمد مرسي سيتغلب على الفريق أحمد شفيق، الذي كان آخر رئيس للوزراء في عهد مبارك. وإذا حدث ذلك، فإن أكبر المؤسسات الديمقراطية في مصر ـ أي البرلمان والرئاسة ـ ستكون في يد الإسلاميين. وبينما سيكون الإشراف الكامل على الأجهزة الأمنية والعسكرية بعيداً عن سيطرتهم في المستقبل القريب، فإن مؤسسات مهمة مثل القضاء ستعترض على عناصر من برنامجهم، ويمكن للجماعة في وقت قريب أن تكون قادرة على التعامل مع العديد من المشكلات الداخلية للبلاد حسبما تراه مناسبا، بل ويمكنها البدء في المضي قدماً بالسياسة الخارجية المصرية في اتجاهات مختلفة.
برنامج عملي
عندما يتعلق الأمر بما تعتزم الجماعة القيام به على الصعيد المحلي، فإنها قد وفقت إلى حد كبير في رسم صورة لبرنامج عملي لإدارة البلاد، وهذا البرنامج يركز جانباً كبيراً من اهتمامه على الحكم الجيد، أي حكم القانون، وتوفير الخدمات الاجتماعية واتباع سياسة اقتصادية مختلفة عن تلك التي تبناها نظام مبارك.
هل تعتزم الجماعة تطبيق الشريعة الإسلامية؟ هذا هو المجال الذي تبدأ فيه الجماعة في التراجع إلى التعميمات وتذهب إلى القول إنها ستتبع المبادئ الإسلامية، أو ستستهدف تحقيق أهداف الشريعة الإسلامية، ولكنها ستقوم بذلك من خلال القنوات الديمقراطية والتنظيمية.
وعندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، فإن الجماعة قد برهنت على عدم وضوحها إلى حد ما، فهي ترغب في إعادة التفاوض على معاهدة السلام مع إسرائيل، ولكن من الواضح أنها ستواجه حكومة إسرائيلية تقاوم بعمق إدخال أي تعديلات رسمية على المعاهدة. وقد بعثت الجماعة برسائل طمأنة لدفق كبير من الزوار الأميركيين الرسميين، ولكن من الواضح أن لها أجندة إقليمية ستسبب بعض الصداع لواشنطن. وهي تعارض بعمق وانفعال الحصار على غزة، ولكنها أبلغت مسؤولي حماس بأن قضيتهم سيتعين عليها أن تنتظر.
والسؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى يمكن أنت تكون الجماعة فعالة في برنامجها، بينما هي تواجه مشكلات اقتصادية ساحقة وأعداداً كبيرة من العاملين في القطاع العام الذين يعربون عن سخطهم، ورأياً عاماً ضاق ذرعا بالقول إن طرد القادة الفاسدين يعد كافياً لتحقيق تحسينات اقتصادية فورية.
إن الطريقة التي ستحكم بها جماعة الإخوان المسلمين في المدى القصير والنجاح الذي ستحققه، سيحسمان مصير الحركة على المدى الطويل. فهي قد نظمت بحيث تكون حركة إصلاحية منظمة بشكل دقيق وتراتبي، وليس لتكون حزباً جماهيرياً لقاعدة عريضة، لكنها تجد الآن الساحة السياسية مغرية للغاية، بحيث إن قادتها فيما يبدو يرون أن واجبهم الأساسي يحتم عليهم دخول المعترك السياسي، والإمساك بزمام الحكم.
الوجودية الفرنسية
وباختصار، فإنه بينما تستمد الحركة إلهامها من النصوص الدينية، فإنها تتصرف كما لو كانت تجسد آراء الوجودية الفرنسية، حيث الوجود يسبق الجوهر.
وهذا يعني أن الحركة ستشكلها بعمق تيارات الأحداث، فهل سينتهي بها الأمر إلى الزواج من السلطة السياسية، على نحو ما فعلت حركة حماس في غزة؟ أم أنها ستبني قاعدة انتخابية تحافظ على شكل الديمقراطية دون جوهرها، على غرار الأحزاب الحاكمة في المكسيك واليابان.
