سينتهي قريباً التدخل العسكري لحلف "ناتو" في أفغانستان الذي استمر عشر سنوات، ولكن الحكومات الغربية سوف تستمر في إسباغ الدعم على ذلك البلد الغارق في الظلام من خلال الحفاظ على برامج معونتها السخية لسنوات عديدة مقبلة. تلك هي الرسالة المطمئنة قصد بها أن تخرج من قمة الحلف التي اختتمت أعمالها، أخيراً، في شيكاغو.
ومع إصرار الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند على سحب القوات القتالية لبلاده بحلول نهاية عام 2012 وتأييد ثلثي الرأي العام الأميركي الانسحاب المبكر لقواته، فقد أراد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يشير إلى أنه يصغي لما قال. وبالتالي فإن القمة أبرزت "التحول" إلى القوات الأفغانية في حين تسعى للحصول على التزام من أعضاء الحلف للاستمرار في تقديم الدعم المالي للأفغان لفترة طويلة بعد مغادرة قواته.
هاجس مسيطر
يدور هاجس في عقول الكثير من المسؤولين في حلف "ناتو" بشأن تجربة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. فالدعاية حول إذلال تعرض له السوفييت تفسح المجال للوعي بأن الروس انسحبوا في حالة جيدة، وأن حكومة نجيب الله، الذي تركوه في موقع المسؤولية، استمرت لثلاث سنوات أخرى. وعندما انهارت قبل 20 عاماً، لم يكن ذلك بسبب بسالة المجاهدين الأفغان، ولكن لأن موسكو توقفت عن منح الدعم المالي والوقود والأسلحة. لذا فإن "ناتو" يريد تجنب حدوث نتيجة مشابهة للحكومة الأفغانية.
ولكن هناك اختلافات رئيسية، تتلخص في اصطلاحين لم يتم ترديدهما كثيراً في شيكاغو، وهما المحادثات ووقف اطلاق النار. لقد سعى الاتحاد السوفييتي السابق للتفاوض حول خروجه عن طريق إقناع باكستان والولايات المتحدة بوقف تسليح المجاهدين. واتبع نجيب الله الطريق نفسه من خلال عرض مشاركة زعماء المجاهدين وأنصار الملكية في حكومته. وعلى المستوى المحلي، تفاوض جنرالاته لوقف إطلاق النار مع قادة المجاهدين. وذلك لم يكن كافياً، ذلك أن جهاز الاستخبارات الداخلية في باكستان وإدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان قد حث المتمردين على مقاومة عروض موسكو وكابول ومواصلة السعي وراء النصر.
أوباما لم يستوعب الدرس. فقد تمت مقاومة الجهود لمحاولة إجراء محادثات مع حركة طالبان من قبل الصقور في إدارته ولم تصبح واقعاً. يتخوف أوباما الآن من أن منافسه في الانتخابات الرئاسية ميت رومني سوف يدق على وتر عدم "استرضاء العدو". وفي الوقت نفسه، بدلاً من السعي إلى وقف إطلاق النار، يكثف الجنرالات الأميركيون الغارات الليلية والهجمات الصاروخية على المخابئ المشتبه بها لحركة طالبان في هلمند وقندهار.
الخطأ الأكبر لحلف "ناتو" هو الاستمرار في الاعتماد على استراتيجية الحاميات. سوف تمكث الأعداد المتزايدة من القوات الأفغانية في قواعد وتخرج في دوريات بدلاً من القوات الأميركية والبريطانية، ولكن هذا ليس أكثر من كونه "حلف ناتو بوجه أفغاني". يعتبر السكان المحليون هذه القوات الأفغانية محتلة، تماماً مثل القوات الأميركية والبريطانية. وأقل من 4٪ من الجيش الوطني الأفغاني هم من قبائل البشتون في الجنوب. ومعظم الجيش من الطاجيك والأوزبك الذين يتكلمون لغة مختلفة، وليست لديهم دراية بالمنطقة. فإذا قمت بتجنيد المزيد من الجنوبيين على وجه السرعة، فإنك تكون بذلك قد ساعدت في تغذية أحدث تكتيك لحركة طالبان، وهو الانضمام إلى الجيش والشرطة الأفغانيين، والحصول على التدريب على يد الأميركيين والبريطانيين، ثم إطلاق النار عليهم في مخيم أو قاعة مختلطة.
ولتعزيز استراتيجية الحاميات، فقد قامت الولايات المتحدة ،أخيراً، بالتوقيع على اتفاقية شراكة مع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي. ولم تحدد عدد القوات الأميركية التي ستبقى بعد مغادرة القوات المقاتلة في عام 2014، لأن قرضاي ليس على استعداد لإلزام نفسه ويريد أوباما التعتيم على هذه القضية لأسباب تتعلق بالانتخابات الرئاسية. ولكن لا تزال خطة الإبقاء على القوات الأميركية بعد عام 2014 مطروحة للنقاش. وهذه كارثة. وسواء وصفهم بأنهم مدربون أو مستشارون، فسوف يبقون مسلحين ومرتدين الزي العسكري الأميركي.
لن تقبل حركة طالبان ذلك أبداً. وبحسب بيان للحركة عشية قمة شيكاغو، والذي نأت بنفسها خلاله عن تنظيم القاعدة وأكدت استعدادها للتفاوض: "الاحتلال الدائم يعني المقاومة الدائمة". وأضاف البيان: "شبكات الاستخبارات الأميركية، بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية، تشير إلى أن أعضاء تنظيم القاعدة جميعهم غادروا أفغانستان. لذلك، فإن الوجود العسكري الأميركي ليس في صالح أمنها، ولكنه استراتيجية طويلة المدى لتحويل أفغانستان والمنطقة إلى مستعمرة لهم".
تغيير المسار
إننا بحاجة لتغيير المسار. يتعين على الولايات المتحدة الاستعداد للانسحاب الكلي للقوات، كما فعل الروس. فالبعض يقول إن طالبان يمكنها أن تنتظر حتى عام 2014 فحسب، ولكن في العامين السابقين لهذا التاريخ يجب إقناع وكالة الاستخبارات الباكستانية بتهديد قيادة حركة طالبان، الذين استضافوهم في باكستان، مع فقدان مقدساتهم إذا لم يتفاوضوا. ثمة فارق كبير آخر عن عقد التسعينات يتمثل في ظهور لاعب جديد، وهو حركة طالبان الباكستانية. فالحل الوسط في كابول هو الأفضل بالنسبة لباكستان من تحقيق فوز صريح لطالبان الأفغانية الذي سوف يشجع نظراءهم في جنوب الحدود للتحرك ضد إسلام أباد.
