دعونا نعد طرح الأمر من جديد، بافتراض أنه غاب عن شخص واحد عاقل في هذا الكوكب: إن ألمانيا لا يمكنها أن تقرر ببساطة إنقاذ اليونان أو إسبانيا أو إيطاليا إلى آخره من ديونها. هل هذا واضح؟

أياً كان المدى الذي يذهب إليه الرئيس الأميركي باراك أوباما، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أو محور بي بي سي - غارديان الذي ينظر إلى الحفاظ على مشروع اليورو باعتباره شيئاً مهماً لمصالحهم - أياً كان المدى الذي يذهبون إليه في لوم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو تقريعها أو التندر عليها، فإنها لا يمكنها أن تغير بتحرك واحد غير واقعي قواعد الحكومة أو البنك المركزي الألمانيين.

ما الذي يتوقع من ميركل؟

إن الرفض المستمر من جانب ميركل لاتخاذ تحرك حاسم من النوع الذي يلائم أغراض أصحاب الأصوات المدوية في قمة الثماني ليس (تردداً)، كما يوصف غالباً، وفي حقيقة الأمر فإنه لا سبيل إلى تفسيره بأي من الطرق المفعمة بالازدراء التي يقترحها منتقدوها، وهو لا ينبع من خوف غير مقترن بالتفكير غرسته في نفسها التجربة الكابوسية للتضخم الفائق في جمهورية فيمار.

كما أنه ليس تعبيراً ضيق الأفق عن القيم الألمانية المتعلقة بالانضباط الذاتي، وإنما ما تقوم به ميركل هو الدفاع عن التكامل الذي يتمتع به الدستور الألماني والمبادئ الاقتصادية التي بني عليها النجاح الاقتصادي الألماني ومصالح ناخبيها.

ما الذي يتوقع من ميركل كزعيمة لدولة ديمقراطية أن تقوم به غير ذلك؟ هل من شأن كاميرون، الذي يؤكد لنا أنه سيضع على الدوام مصالح بريطانيا أولاً، أن يضحي بمصالح مواطنيه من أجل سكان دولة أخرى وصلوا إلى وضع سيئ بفعل سوء تقدير هذه الدولة؟

هل سيقوم أوباما بقلب المبادئ الرئيسة للدستور الأميركي من أجل حل قصير الأمد للمشكلة الاقتصادية العالمية؟

في حقيقة الأمر، فإن تردد ميركل في تمويل طبع اليورو من قبل البنك المركزي الألماني لا يقوم إلا على عدم مشروعية مثل هذا الإجراء بالمعايير الألمانية، وربما يضرب جذوره في ارتباطات أقرب عهداً من جمهورية فيمار، فألمانيا الشرقية هي النموذج الذي تستحضره الذاكرة على الفور.

حيث تم تداول المارك الألماني الشرقي الذي تم تصميمه لتلبية متطلبات سياسية بمعدل تبادل تعسفي هو أقرب إلى الهراء، لتجنب إفقار شعب بكامله، هذا هو الاتجاه الذي ربما ترى ميركل معنا جميعاً أن اليورو يتجه نحوه، إذا ما قدر لدعاة التحرك الحاسم أن تلبى مطالبهم، أي ألا يمضي فحسب نحو مستويات تضخمية خطرة، وإنما نحو التحول إلى مرتبة عملة خيالية يمكن توسيع نطاقها حسبما يهوى المرء، لدعم وهم إيديولوجي.

تساؤلات

كم من الوقت سيمضي قبل أن تقوم الحكومة اليونانية غير المنتخبة بتجميد جميع الحسابات المصرفية؟ كم من الوقت سيمضي قبل أن تقوم هذه الحكومة باستخدام الضوابط على القطع الأجنبي للحيلولة دون قيام أي شخص بأخذ أو إنفاق ما يتجاوز مبالغ صغيرة من المال إلى خارج البلاد؟

ربما يكون الغرب قد انتصر في الحرب الباردة، ولكن صياغته للحل الطوباوي الاتحاد الاقتصادي والسياسي العظيم الذي سيضع حداً للحرب وعدم الاستقرار الاجتماعي- تتلاعب على نحو خطر بآليات مناهضة للديمقراطية وتقترب من أن تكون دكتاتورية.