استخدمت وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي إي»، في اليمن وباكستان وفي أمكنة أخرى، الطائرات الموجهة عن بعد في قتل ألوف الناس، بما في ذلك عدد من الأميركيين. ولقد دافع المسؤولون الأميركيون بشدة عن هذا البرنامج المثير للجدل، قائلين للصحافيين انه فعال وقانوني ويجري الإشراف عليه عن كثب.

لكن وكالة المخابرات المركزية ترفض حتى الإقرار بأن برنامج القتل المستهدف موجود أصلا أمام المحكمة. وحجة الوكالة تستند إلى مبدأ قضائي عمره 35 عاما يدعى غلومار، وهذا المبدأ يسمح لوكالة حكومية بالرد على طلب، في إطار قانون حرية المعلومات فويا، برفض تأكيد أو إنكار وجود سجلات تم طلبها.

ويخدم المبدأ أحيانا غاية شرعية، لكن وكالة المخابرات الأميركية أساءت تطبيقه بشكل كبير في قضايا تتعلق ببرنامج القتل المستهدف وغيرها من عمليات مكافحة الإرهاب. فتطبيق المبدأ لا يجري في سبيل حماية معلومات مصنفة سرية بصورة شرعية، بل لإخفاء قرارات مثيرة للجدل عن أنظار الراي العام، ولتجنيب المسؤولين الدفاع عن سياساتهم أمام المحكمة.

مبدأ قديم

والمبدأ يعود اسمه إلى سفينة تدعى هيو غلومار اكسبرولر استخدمتها وكالة المخابرات المركزية في أوائل السبعينات لإنقاذ غواصة سوفياتية غارقة. وعندما عرضت صحيفة لوس إنجليس تايمز القضية عام 1975، حاولت الوكالة ان تقمع التغطية الصحافية لها. لكن هارييت إيه فيليبي، صحافي في مجلة رولينغ ستونز قدم دعوى بموجب قانون فويا لمعرفة المزيد عن هذه القضية. فرفضت الوكالة تأكيد وجود السجلات التي طلبها فيليبي أو إنكار وجودها.

وهناك بالطبع قضايا حيث مجرد تأكيد أو إنكار وجود سجلات معينة يكشف حقيقة طي الكتمان مثل شخصية عميل أو اسم شخص مستهدف بالمراقبة القانونية.

لكن هذه الحالات هي اقل انتشارا مما قد يوحي به اعتماد وكالة المخابرات المركزية المتزايد على مبدأ غلومار، وكانت دراسة من إعداد أرشيف الأمن الوطني قد أظهرت أن المحكمة الفيدرالية استشهدت بالمبدأ ثلاث مرات على مدى عقد منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أكثر مما فعلت خلال الربع الأخير من القرن الماضي. وكان هناك تحول في نوع القضايا أيضا. فمعظم القضايا قبل 2001، بما في ذلك قضية غلومار عام 1976 كانت تتعلق نسبيا ببرامج جمع معلومات على نطاق ضيق في اطار تفويض وكالة المخابرات المركزية.

لكن الوكالة استخدمت المبدأ أخيرا لإخفاء برامج مثيرة للجدل، وحتى سلوك غير قانوني بما في ذلك تعذيب المشتبه بهم بالإرهاب وتسليمهم للأعداء. والمبدأ تم تطبيقه أيضا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتشكيل السجال الشعبي. وسبق ان تحدث عدد وافر من المسؤولين في الإدارة عن برنامج القتل المستهدف إلى الصحافيين سواء بشكل مخفي أو في العلن، والرئيس أوباما بنفسه أجاب عن أسئلة متعلقة بالبرنامج على الإنترنت. بالتالي استدعاء مبدأ غلومار لا يخدم في إبقاء برنامج القتل المستهدف سرا، وإنما في التحكم بالحقائق المفصح عنها وبتوقيت هذا الإفصاح.

استغلال السرية

ويبدو من غير المرجح ان تنهي الوكالة استغلالها لنظام السرية من دون ضغط خارجي. لكن وزارة العدل التي تمثل وكالة المخابرات المركزية الأميركية في المحكمة يمكن ان ترفض الدفاع عن استدعاء لمبدأ مشكوك فيه. والرئيس الأميركي باراك أوباما الذي في بعض المنعطفات المهمة في حياته السياسية كان متقبلا للحجج المؤيدة للشفافية، يمكنه ان يوجه الوكالة للإجابة على طلبات الإيضاح التي تفضل تحاشيها في إطار قانون فويا.

وفي قضية لاتحاد الحريات المدنية الأميركي تخص برنامج القتل المستهدف، أبلغت الحكومة الأميركية المحكمة أخيرا أن مسؤولين على اعلى المستويات يعيدون تقييم موقف الحكومة من سرية برنامج القتل المستهدف، وهذا التصريح غير ملزم لكنه قد يمثل بداية واعدة. ان سوء استخدام الوكالة لمبدأ غلومار يقوض الثقة العامة في نظام السرية، ويشوه السجال حول القضايا فائقة الأهمية، ويفوض الوكالة بسلطات هائلة، بما في ذلك سلطة القتل، في ظل إشراف حكومي غير كاف. ويوجد لدى الرئيس والمدعي العام والمحاكم الفيدرالية السلطة لإنهاء هذا التعسف. مدى الشرعية

يتعين على الإدارة الأميركية العمل على توجيه الوكالة نحو التخلي عن تظاهرها بسرية برنامج القتل المستهدف، وأن توجهها أيضا نحو الإفراج عن المذكرات القانونية التي أذنت لهذا البرنامج والدلائل التي استندت إليها الوكالة في شن الغارات الجوية بالطائرات الموجهة عن بعد، والتي أودت بحياة ثلاثة أميركيين في اليمن السنة الماضية. وإذا فشلت الإدارة في تغيير مسارها، فإنه يتعين على المحاكم ان تتدخل. وقضية غلومار نفسها تقدم خريطة مفيدة في هذا السياق.

فمحكمة الاستئناف في هذه القضية قبلت بشرعية مبدأ غلومار، لكنها وجدت أن استناد الوكالة إليه ليس له ما يبرره بشكل كافي. وحكمت بأنه يحق على الصحافي فيليبي مقدم الدعوى ان يقدم أسئلة خطية ، وأن يشهد أعضاء في وكالة المخابراتلتوضيح موقف وكالتهم، أو لتحديد الإجراءات التي على أساسها تم اتخاذ هذا الموقف. وأمام احتمال الدفاع عن استدعاء مبدأ غلومار، فضلت الوكالة بدلا من ذلك الإفصاح المحدود عن بعض السجلات.