تصوروا ان مدرسة من المدارس تعرضت لهجوم بصواريخ هلفاير اطلقتها طائرات موجهة عن بعد نحو صفوف المدرسة، فتمزقت أجساد الأطفال إلى أشلاء على السجادة حيث الذي كانوا يجلسون، وتصوروا أن آلة أخرى مماثلة يوجهها بالوكالة شخص عن بعد ألوف الأميال من غرفة دون نوافذ استهدفت مسلحين على الأرض، فتناثرت الشظايا وانطلقت عبر جدار منزل قريب مخترقة مهد طفل نائم في غفلة عما يدور حوله، فنقلته إلى جنة الخلود.

الفكرة بحد ذاتها تصيب الأميركي بالجنون، ففي الأيام العادية، يقلق الأميركيون من تعرض أطفالهم لكثير من الجراثيم، أو تناولهم كثير من الأطعمة الخالية من القيمة الغذائية، أو تأدية وظائفهم للوصول إلى الجامعة، أما التأمل في نوع الملابس التي سيضعونها على جثث أطفالهم المشوهة قبل إنزالها إلى القبر، فيفوق إلى حد بعيد قدرتهم على التحمل.

لكن الباكستانيين واليمنيين يواجهون هذه المهمة التي لا ترحم في كل الأوقات دون التمكن من السيطرة عليها أو حتى الاحتجاج ضدها، بسبب هجمات الطائرات الموجهة عن بعد. واستنادا إلى مكتب الصحافة الاستقصائية، ازدادت أعداد الغارات الجوية للجيش الأميركي ولوكالة المخابرات المركزية الأميركية بالطائرات الموجهة عن بعد على اليمن وباكستان إلى 350 غارة منذ عام 2004، ومعظمها شن على اليمن في الشهرين الأخيرين، 20 من أصل 36 غارة جوية. وكأن أطفالنا أغلى من أطفالهم، يتجاهل معظم الأميركيين المجازر التي تصاحب ما يطلق عليه الغارات المستهدفة بحق المدنيين أو يمضون في الجهل بها بروح من السلبية المتصفة بالعداء.

تأييد كاسح

وما يدعو للحزن ان الأمر يفسر على انه تأييد شعبي واسع لما اصبح يعرف بالحرب الأميركية الثالثة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إي حرب الطائرات الموجهة عن بعد، اللاحقة للحربين في العراق وأفغانستان. وبصرف النظر عن القسوة التي تتصف بها تكنولوجيا التحكم عن بعد وراء آلات القتل تلك، فان الأميركيين يبدون متقبلين تماما للتبريرات غير المقنعة والمتمحورة حول الذات، التي تقول إن الطائرات الموجهة عن بعد تجعل حياة الأميركيين في بلادهم اكثر أمنا، أو ان عيب الضحايا يتمثل في السماح للمسلحين في الاختباء بين المدنيين.

قلب التفكير

وقد اجتمع أخيرا في واشنطن مجموعة كبيرة من الناشطين لقلب هذا التفكير رأسا على عقب، ليس هذا فحسب، وإنما أيضا لتشكيل استراتيجية لوقف استخدام الطائرات الموجهة عن بعد في الحروب كليا. ومؤتمر الطائرات الموجهة عن بعد: القتل والجاسوسية بالتحكم عن بعد قد يكون أول مناسبة من نوعها حول هذا الموضوع. وقد حصل على رعاية عدة منظمات تعنى بقضايا الحقوق الإنسان، إلى جانب الصحفية مديحة طاهر التي تعمل على فيلم وثائقي عن ضحايا وزيرستان، والتي تمكنت من عرض صور مؤلمة ومقاطع فيديو وشهادات شخصية صدمت الحضور بوحشيتها.

لكن الصور الفاضحة المرعبة بالكاد حركت توجهات التيار العام في السياسة الأميركية. وهذا يعود إلى كون معظم الناس ما زالوا ينصتون إلى حكومتهم ويؤمنون بما يقوله قادتهم، لاسيما إذا كان ما يتفوهون به يعفيهم من الشعور بالذنب تجاه الوطن. وفي العام المنصرم، قال مدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض جون برمان: لم تحدث وفاة واحدة جانبية للطائرات الموجهة عن بعد بسبب الإتقان المميز ودقة القدرات اللذين تمكنا من تطويرهما في حرب الطائرات الموجهة عن بعد، التي ما زال البيت الأبيض يحتاج إلى الإقرار بها.

وبشكل غير مفاجئ اجبر برمان على تعديل لهجته بعد سنة من تصريحه الأول، حيث قال: لا توجد معلومات حول مقتل مدني واحد غير مقاتل. والرئيس الأميركي باراك أوباما، ملمحا إلى الطائرات الموجهة عن بعد للمرة الأولى، هلل لدقة ضرباتها في وزيرستان زاعما أنها لم تسبب إصابات كثيرة بين المدنيين.

وهذه الرسائل الزائفة والقبول التام للشعب بها بسذاجة واضحة، تفسر لماذا لا احد من خارج هذا المجتمع رف له جفن عندما أفيد أخيرا ان البيت الأبيض يسعى لسلطات أوسع للانتقال إلى ما بعد اغتيالات هذه الطائرات الموجهة عن بعد المستهدفة إلى ما يطلق عليه الضربات المؤشر عليها، التي تسمح للجيش ولوكالة المخابرات المركزية بقتل ليس فقط أشخاص معينين يجري تعدادهم على أصابع اليد، باعتبارهم إرهابيين في اليمن، بل شن ضربات ضد أهداف مجهولة الهوية استنادا إلى أنماط سلوك يجري رصدها من خلال اعتراض إشارات ومصادر بشرية ومراقبة جوية، تشير إلى وجود أشخاص مهمين أو خطة تستهدف المصالح الأميركية حسب صحيفة واشنطن بوست.

تقول شيلا كارابيكو التي تدرس العلوم السياسية وحقوق الإنسان في جامعة ريتشموند: ما يجعلني اشعر بالاستياء هو المثال الذي نقدمه للحكومة اليمنية، بأن القتل خارج نطاق القضاء لا بأس به، وان السلوك المشتبه به هو بحد ذاته دليل لشن هجمات مستهدفة.

ويشارك اتحاد الحريات المدنية في أميركا برفع طلب في إطار قانون حرية المعلومات يأمل من خلاله إلقاء الضوء على أول ضربة صاروخية على اليمن. قائمة شاملة

قدم مكتب الصحافة الاستقصائية قائمة شاملة بالغارات الجوية التي شنتها الطائرات الموجهة عن بعد، لافتا إلى أعداد الضحايا من الأطفال، ويقدر المكتب ان 2429 إلى 3087 شخص قتلوا في غارات الطائرات الموجهة عن بعد على باكستان منذ عام 2004 إلى جانب حوالي 1200 من الجرحى، وأن من بين الضحايا 811 مدني بمن فيهم 174 طفلا، وفي اليمن، كانت هناك 100 غارة جوية لطائرات موجهة عن بعد ولغارات بصواريخ تقليدية أسفرت عن مقتل 294 إلى 645 شخصا، من بينهم 105 مدنيين، بمن في ذلك 24 طفلا.