الشخص العادي لا يريد أن يواجه تهمة جنائية على تصديه لمعتقدات سياسية. المعتقل الفلسطيني طاهر حلاحلة كتب خطاباً لزوجته شيرين في شهر فبراير الماضي من داخل المعتقل في إسرائيل، يقول لها: «تم تجديد سجني سبع مرات ولم يوجهوا إليّ أية تهمة. ليس بوسعي تحمل ذلك». بعد ذلك، بدأ حلاحلة، الذي يبلغ من العمر 34 عاماً، إضراباً عن الطعام، وكذلك زميله في السجن بلال دياب. كان ذلك منذ 77 يوماً. كلاهما أبوان فلسطينيان، وبناتهما يتعرضن للتفتيش الدائم والجسدي كلما ذهبن لزيارتهما.
وقد قام ديفيد روس، وهو صحافي يهودي، بنشر قصص المضربين عن الطعام. هناك ثمانية آخرون محتجون في الحالة نفسها من الضياع الذاتي الصامت. فقد كانت عينا حلاحلة تذرفان الدم بدلاً من الدموع. وربما أشرف هو و دياب و آخرون على الموت. وبسبب تلك الديمقراطية المتغطرسة في إسرائيل فقد رفض قضاة المحكمة العليا طلباً من جماعات حقوق مدنية بنقل الرجال إلى مستشفيات مدنية. فربما لم يريدوا مواطنيهم أن يشهدوا مثل هذه الاشياء.
لن يشارك الحاخام الأكبر في إسرائيل في حملة «فكرة اليوم» للإعراب عن تنديده بسوء معاملة هؤلاء السجناء. ولن يتم الضغط على البريطانيين المتحمسين لإدانة المسؤولين عن همجية الدولة الإسرائيلية. و لن نشاهد حلقات برنامج هوملاند البريطاني (القائمة على مسلسل درامي إسرائيلي يصوّر كيف تقوم القوات الإسرائيلية بملاحقة الفلسطينيين وإلقاء القبض عليهم من أجل تحرير الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. هيا، يا حضرات! ما بالكم بفيلم يدور عن فلسطيني وسيم يتم تقييده من قبل إسرائيليين حتى يفقد وعيه؟
لا يأبه صناع الرأي الغربيين في وسائل الإعلام المختلفة، بما يجري للمعتقلين الفلسطينيين في بعض الحالات، وهم مدركون بشأن ما يجري. فلم تسمع إدانات توجه داخل البرلمان البريطاني بشأن هؤلاء المعتقلين ، ويطالبون باستمرار بحرية التعبير، لكن لا يتم استحضار هذا الحق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
الحزب القومي والجيش في بريطانيا من حقهما حرية التعبير أن ينشرا عنصريتهما ويتحرشا بالأقليات. أما جيني تونغ، فإنها تتعرض لهجوم دائم من الجماعات الصهيونية ومن حزبها، لأنها تجرأت على القول: «إن إسرائيل لن تبقى للأبد». فقد تركت حزب الديمقراطيين الأحرار لتوها. فإذا تلفظت بالكلمات نفسها و قالت ذلك، على سبيل المثال، في حق زيمبابوي، لكانت قوبلت بالتشجيع.
هناك عدد كبير من اليهود المستنيرين في بريطانيا يرون تلك الازدواجية في المعايير ويعترضون على التجاوزات الإسرائيلية. لابد أن ما يفعلونه أمر غاية في الصعوبة، وأن يتصرفوا بنزاهة و شفقة مع الذين تربوا على كراهيتهم.
تم إظهار الفلسطينيين الذين اعتقلوا أثناء احتجاجاتهم السلمية على طريقة غاندي، بشكل غير ملائم، وهم يرغبون في أن تتمكن أسرهم من زيارتهم دون قيود، وفي العلاج الطبي اللائق، و ألا يتم إيداعهم في السجن الانفرادي لسنوات طويلة، وأن يمثلوا أمام المحكمة و تتم محاكمتهم. كيف يكون هذا «إرهاباً»؟ فمع الإضراب عن الطعام الذي حدث في أيرلندا في عام 1981، حيث توفي 10 مضربين، بادرت معظم الصحف البريطانية المناهضة للجمهوريين بنشر صورهم و أخبرتنا بما كان يحدث. وقام التلفزيون أيضاً بتغطية معاناتهم حتى النهاية.
ومع هؤلاء السجناء الذين يموتون ببطء و 6 آلاف آخرين يودعون السجن بدون اتباع الإجراءات القانونية، فلا يوجد شيء. و حتى فترة قريبة، علمت أنه منذ العام 1967، تم اعتقال 700 ألف فلسطيني. لم يكن جميعهم أبرياء، ولكن لم يكونوا جميعهم مذنبون. أن يكون الشخص فلسطينياً يريد المساواة والحقوق والحرية والأرض ليس جريمة. من وجهة نظر الإسرائيليين المتشددين، فهو جريمة.
مخاوف الحديث عن مأساة الفلسطينيين متعلقة بالخوف من تفسير أي انتقاد يوجّه لإسرائيل على أنه معاداة للسامية. وبعض المعادين للسامية يستخدمون إسرائيل كغطاء، لكن حينئذ فإن إسرائيل تستخدم ذلك لتشويه أي انتقاد مشروع لأفعالها والتحذير منه.
