قد يعتقد المرء وهو ينصت إلى التغطية المثيرة للأحداث أخيراً، أنه وسط موسم انتخابي نشط ومفرح في ثلاث دول منفصلة، حيث تبدو فرنسا وأميركا ولندن (والأخيرة باعتبارها دولة داخل دولة)، مندفعة إلى صراعات كالأيام الخوالي بين اليمين واليسار. وقد يكون المرء ميالاً إلى الاستنتاج انه بعد مرور جيل من الإجماع على تبني مواقف وسطية، هناك إعادة إحياء لسجال مهم حول الأيديولوجية في الضفة الأوروبية من الأطلسي، وأن خطوة مذهلة باتجاه شيء من هذا القبيل تحدث في أميركا، حيث الفروقات الأيديولوجية الحقيقية بين الأحزاب تكاد تكون غير معروفة تقريباً.

والمنافسات في لندن وفرنسا كانت ظاهرياً بين اتباع الاشتراكية من أصحاب المذهب القديم، أو المرتدين تاريخياً، إن شئت استخدام هذا التعبير، وانصار نظرية تكوين الثروات في السوق الذين لم تثبط عزيمتهم متاعب النظام الرأسمالي الأخيرة.

وقد مثل كل من عمدة لندن العمالي السابق كن ليفينغستون والرئيس الفرنسي المنتخب فرنسوا هولاند السياسات التي أصبحت في عداد النسيان، فهما ملتزمان بلا مواربة بسلطة الدولة والإيمان بفضيلة الإنفاق العام. وفي الزاوية المقابلة، تمركز عمدة لندن بوريس جونسون بشكل علني على يمين قيادة حزبه، ودافع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عن الأسواق الحرة والتدخل الخارجي.

وفي غضون ذلك في أميركا، كان سجال جوهري في الظاهر ينطلق بين الرئيس الأكثر ميلاً نحو اليسار في الذاكرة الحية، و«حزب الشاي» الذي يهيمن على الحزب الجمهوري المتجه يميناً إلى حد كبير.

إذاً، لقد عدنا إلى السجالات الجوهرية حول الفلسفات السياسية الأساسية، أليس كذلك؟ وأصبحت لدينا فروقات مبدئية مهمة بين الأحزاب، أو بين المرشحين البارزين.

لكن هذه الفروقات غير موجودة، والمواجهة كلها مبالغ فيها ووهمية. وكل الأصوات والشخصيات التي تتجه إلى السلطة في إطار الحياة السياسية داخل التيار العام في كل هذه البلدان، هي في الواقع تتعايش داخل الطيف الوسطي الضيق نفسه. ولا يوجد يسار من المدرسة القديمة يهدد بالاستيلاء على وسائل الإنتاج ورافعات الاقتصاد باسم البروليتاريا، بل إن ليفنغستون نفسه لا يدعو إلى إعادة تأميم الصناعات في بريطانيا أو المصادرة الكاملة للملكية الخاصة وإعادة توزيعها. وجونسون الذي يعد بلا شك الناطق الصريح باسم مصالح الأعمال وخفض الضرائب من ديفيد كاميرون، لا ينكر الحاجة إلى تنظيم المصارف أو حماية المحرومين في المجتمع.

والفرق بين يمين الوسط ويسار الوسط، باعتبارهما كل ما تبقى من هذا الصراع الجبار القديم، لا يتعدى الخطابات تقريباً. فيمين الوسط يريد اقتصاد السوق الحرة المرتبط ببرامج استحقاقات الرعاية الاجتماعية لحماية عدم الاستقرار الاجتماعي. ويسار الوسط يريد مجتمع الرفاه ونشاط السوق الحرة المرتبط بتأمين الأموال اللازمة له. والفروقات الفعلية ضئيلة، حيث كانت هناك مرونة كبيرة للتماشي مع الحقائق المتقلبة، إلى الحد الذي بات ضرورياً تلوين التوصيفات بالعواطف والكلمات المطلقة من اجل توليد مشاعر مصطنعة.

لذا فإنه في مسار «سجالهما» الصريح أخيراً، قال هولاند لساركوزي: «أنا أحمي أطفال الجمهورية، فيما أنت تحمي أصحاب الامتيازات» مغلفاً كلامه بالابتزاز المعنوي العاطفي ليسار الوسط المعاصر. ولقد رد ساركوزي قائلاً: «أنت تريد تقليص عدد الأثرياء، وانا أريد تقليص عدد الفقراء»، ملخصاً وجهة نظر يمين الوسط بأن الأسواق الحرة فقط يمكنها تحقيق الازدهار لعامة السكان.

باختصار، يقبل يسار الوسط إلى حد ما بأن الثروة الحقيقية لا يمكن توليدها إلا من خلال اقتصادات السوق الحرة، لكنه لا زال يتصرف كما لو أنه يمقت جامعي الثروات. ويستمر في التحدث كما لو أن «الربح» هي كلمة قذرة، محدثاً التباساً متعمداً بين فكرة «توليد الربح» و«الاستغلال». ولننظر إلى رد الفعل المتخوف عندما يكون هناك احتمال للربح الخاص من خلال الاستثمار في الخدمات العامة، مثل الصحة والتعليم. فمثل هذه الخدمات يجب أن تبقى خالية من مساوئ الدافع الربحي، بمعنى أن تبقى ممولة من الحكومة بالكامل، حتى لو ترتب على هذا الأمر بقاؤها غير فعالة، وفي قبضة أصحاب المصالح المكتسبة.

الأمر ليس بهذا السوء

ويمين الوسط، في المقابل، يتقبل الحاجة لما يطلق عليه الناطقون باسم الاتحاد الأوروبي «التضامن الاجتماعي»، ما يعني بالمصطلحات العملية نظام رعاية اجتماعية شاملاً، يتعهد بعدم وقوع أحد في براثن الفقر، بمعزل عن الخيارات التي يمكن أن يتخذها في حياته. لكن بمعزل عن الحديث عن التخلص من الاعتمادية على المنافع، فإنه لا يوجد ناطق رسمي باسم اليمين الوسط تخلى عن المبدأ الذي يقول إن القضاء على الفقر قضية من اختصاص الدولة.

بالتالي، لا توجد حرب أيديولوجية هنا. والفروقات المهمة بين المعسكرين المفترضين، بمعزل عن كمية الإساءات الشخصية والنقد اللاذع الذي يمكن أن يلحقه طرف بالآخر، هي محدودة جداً، وتعد أساساً مسائل للدعاية.

ويمكن القول إن الأمر ليس بهذا السوء، فهناك اتفاق أساسي حول الأمور شديدة الأهمية، أي اقتصادات السوق الحرة، بصرف النظر عن اضطراباتها، وهي مقبولة بوصفها الطريق الوحيد لتكوين الثروات. وكلنا يقبل بمسؤوليتنا المعنوية عن تقليص الفقر. إذا أراد السياسيون التظاهر بأن هناك فروقات أكثر بينهم مما يحدث في الواقع، فإن ذلك في سبيل حقن بعض من الإثارة في العملية الانتخابية، فما الخطأ في ذلك؟

افتراضات خاطئة

 

لا يوجد ضمن أوساط معسكر اليمين الوسط واليسار الوسط حالياً من يولي اهتماماً للحقيقتين اللتين تشكلان هذا السجال المفترض غير المجدي بينهما. الحقيقة الأولى تتمثل في الافتراض غير الصحيح الذي اختار أن يلتقي حوله جميع الأطراف الرئيسيين، فالاعتماد على السوق الحرة لدعم نظام واسع النطاق من استحقاقات الرعاية الاجتماعية، بمعزل عما يجري اختياره كأولوية، أمر لا يتصف بالاستدامة. فاقتصاد السوق لا يمكنه تحمل الكلفة الهائلة لبرامج الضمان الاجتماعي، التي تعتبر الآن برامج لا يمكن المس بها سياسياً في أوروبا وأميركا.

كما يتبدى للنخب السياسية في الجانبين. والحقيقة الثانية الأكثر أهمية هي أن الاقتصاد أصبح معولماً إلى درجة كبيرة خارج سيطرة أي من الحكومات الوطنية، وبالتالي المحاسبة الديمقراطية. والسياسيون المرشحون لتولي المناصب السياسية يمكنهم أن يتشاجروا ويهين الواحد منهم الآخر، لكن المستقبل الاقتصادي يمكنه الآن الإفلات من قبضتهم كلياً.