انتخب الفرنسيون المرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند رئيساً لهم، ووراء اختيارهم كانت هناك مسألة الثقة ذات الأهمية. كانت هذه المسألة مصدر جدل في فرنسا منذ عام 2007، فبالنسبة للناخبين الفرنسيين من شتى الانتماءات السياسية، اتبع نيكولا ساركوزي على مدى السنوات الخمس الأخيرة برنامجاً من عدم الثقة إلى حد بعيد، عدم الثقة بالعمالة المنظمة، والضمان والرعاية الاجتماعية، وبالمهاجرين، وبمنافسيه ضمن أوساط اقصى اليمين، وبمسار المساومات عوضاً عن المسار الديمقراطي التقليدي.
والقصة الحقيقية التي ستواصل تأثيرها في الحياة السياسية خلال فترة إدارة هولاند للحكم، ستتمثل في أن الناخبين، أعطوا بشكل مدروس أو بشكل افتراضي، الحزب الذي يعبر بوضوح أكثر من غيره، عن سياسة الاستياء من الأوضاع، وهو الجبهة الوطنية، صوتاً أعلى في الجولة الأولى، ومدوه بخطة لاجتياح كتلة من المقاعد في الجمعية التأسيسية خلال الانتخابات التشريعية المقبلة في يونيو.
وهذا التطور يفترض متابعته عن كثب، فيما نحن نشهد تحول شهري مايو ويونيو إلى موسم لحملات مستمرة من أجل زعامة اليمين السياسي. والفراغ الناتج عن هزيمة ساركوزي سيقدم للجبهة الوطنية أفضل فرصة منذ تأسيسها لتقدم نفسها كحزب قابل للنمو وقادر على تمثيل هؤلاء القادة والناخبين الساعين إلى إعادة تنظيم التيار اليميني.
إلى من يتجه؟
إلى من يستطيع الرئيس هولاند الاتجاه، هو ووزير المالية والعمل في حكومته، في سبيل الشراكة، ومع من سيجبرون على عقد الصفقات؟ فالإدارة الفرنسية الجديدة قد تكون مرغمة على عقد صفقات مع مجموعة من المشرعين المخلصين للجبهة الوطنية في سبيل تمرير وسن سياسات مهمة في مجال الإصلاح الاقتصادي والهجرة والشؤون الخارجية. لكننا مع ذلك رأينا أن خطب ود حملة ساركوزي لأقصى اليمين كان تأثيره في إعطاء مارين لوبين صوتاً قوياً في رسم السياسات اكثر مما توقع ساركوزي نفسه.
ومن جانب آخر، هل ستمضي الحكومة الفرنسية الجديدة في السير على درب الثنائي أنجيلا ميركل / ساركوزي باتجاه التقشف، أم أنها كما يعد هولاند ستقود مجموعة اقتصادات «النمو» في منطقة اليورو، وتدفع باتجاه تعديلات على اتفاقية الاستقرار والتعاون المقترحة لاقتصاديات الاتحاد الأوروبي؟
ويبقى من السابق لأوانه رؤية ما إذا كانت فرنسا ستجد توازناً بين التقشف والتحفيز الاقتصادي. لكن الأدلة تشير إلى أن الإدارة الجديدة لن تكون قادرة على الدفع نحو التقشف أو نحو التحفيز في أي طريقة مجدية، إلا إذا أصلحت واقع عدم الثقة بين الحكومة والصناعة وتلك الطبقة الدنيا من العاطلين عن العمل.
حل المشكلات
وفي فرنسا، يتطلب حل مشكلة العمالة ردم الانقسامات العميقة بين أصحاب العمل والمهاجرين الجدد الذي يواجهون تمييزاً في عملية التوظيف. فمنذ توليه الرئاسة، ركزت حكومة ساركوزي على تخفيض «كلفة» العمالة من خلال تخفيف قوانين إنهاء الخدمة من العمل، وتخفيض معاشات التقاعد، لكن هذه الإجراءات لم تكن مجدية في التعامل مع مشكلة البطالة ذات الرقم المزدوج للمهاجرين الجدد، إلا بدرجة قليلة.
وفي سبيل الحد من البطالة، يجب أولاً التعامل مع الصراع الاجتماعي، ولكي تفعل فرنسا ذلك، تحتاج إلى حوار مع قادة المجتمعات السياسية المحرومة من حقوقها، والى اليوم، فإن سجل مثل هذا الحوار لم يكن جيداً. والشباب المحروم من حقوقه والعاطلون عن العمل الذين يعيشون في الضواحي الفرنسية لم ينسوا أن ساركوزي، عندما كان وزيراً للداخلية، رد على أحداث الشغب عام 2005 بوصفه المشاركين فيها، والكثير منهم من أصول شمال إفريقية، بأنهم مجموعة من الأوباش. وهذه الذكرى يجب أن تخدم كدرس لحكومة هولاند، التي ستحتاج إلى تخصيص جهد كبير حقيقي وسياسي في برامج الدمج الاجتماعي والتدريب على الوظائف.
وستحتاج أيضاً في الوقت نفسه إلى مبادلة تفضيليات تشريعية مع لوبين وزملائها في اقصى اليمين، الذين كانوا في السابق في حزب الاتحاد من اجل الحركة الشعبية. وهذا ليس منظوراً لهولاند يحسد عليه، لكنه المرجح وربما أيضاً السيناريو الوحيد لتحقيق عمالة مستدامة. وفي سبيل تقليص معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، يجب أن تخفف حكومة هولاند ثقل معاشات التقاعد، لكن القيام بذلك يبقى من رابع المستحيلات من دون كسب حد أدنى من التعاون من العمالة المنظمة على اقل تقدير.
إعادة الثقة
يحسن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند صنعاً بتعلم الدرس من سلفه، ففي عام 2007 قام وزير مالية ساركوزي بإدخال حزمة إصلاحات عمالية عدائية من جانب واحد. وهذا أدى إلى اندلاع تظاهرات فاجأ حجمها قادة العمال أنفسهم. وقد تم سحب حزمة الإصلاحات بمعظمها، وفقد قادة الحكومة والعمال والصناعيين منذ ذلك الحين الثقة فيما بينهم.
لذا فإن المسألة الحيوية بالنسبة لحكومة هولاند تتمثل في كيفية إعادة الثقة وكسب التعاون المؤثر من العمالة المنظمة والصناعيين ومجتمع المستثمرين العالمي وقادة مجتمع مهاجرين وكذلك من اقصى اليمين. ولدى هولاند مجال ضيق للمناورة، ولا خيار أفضل له من دعوة وزير ماليته إلى الطاولة للتفاوض مع ممثلين من الصناعيين والعمال.
وهولاند وحزبه الاشتراكي يناسبهم اكثر استمالة العمال من سابقيهم من يمين الوسط. فهل سيكون بإمكانه عقد مساومات للحد من الاختلال في الميزانية والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية ولموازنة مطالب أقصى يمين الوسط المنتعش؟ ربما هذا هو التحدي الأكثر إلحاحاً أمام الرئيس هولاند، ما إن يبدأ ولايته.
