شهدت السفارة الأميركية في بكين أحداثاً هامة في الآونة الأخيرة. ففي البداية حاول قائد شرطة مدينة صينية كبرى الفرار إلى السفارة وتوريط زوجة زعيم صيني في مؤامرة قتل.
قائد الشرطة، وهو وانغ ليجون، يغادر في اليوم التالي، حيث تطارده السلطات، فيما يختفي عن الأنظار حاكم مقاطعة تشونغتشينغ بو زيلاي الذي حاول تحدي القيادة الإصلاحية في الصين. بعد ذلك، يهرب تشين غوانغتشينغ، وهو الناشط الصيني في مجال حقوق الإنسان من الإقامة الجبرية في منزله، ليصل إلى السفارة الأميركية، التي تبعد 300 ميلاً عن منزله.
وبحسب بعض الروايات، فقد تمكن غوانغتشينغ من تسلق جدران المنزل في جوف الليل، حيث "لا يشكل الظلام له شيئا"، وسار لعدة أميال بدون مساعدة، حتى التقى أحد مؤيديه الذي ساعده في الوصول إلى بكين.
وقد ورد أن خاطفيه لم يلاحظوا أنه فرّ إلا بعد فوات الأوان. وعلى الرغم من أن التفاصيل "غامضة"، فإن عملية الفرار وفقاً لرواية أوردتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، على ما يبدو كانت مدبرة منذ فترة طويلة، لا سيما وأن غوانغتشينغ كان يفتعل المرض على مدار أسابيع قبل الهروب.
وتقول إحدى الروايات بشأن الواقعة إنه كان قادراً على التواصل مع مؤيديه عبر الهاتف المحمول على الرغم من جهاز التشويش الذي استخدمته السلطات الصينية لعزله عن الاتصالات مع العالم الخارجي. فمن أين تمكن المنشق الصيني قيد الحبس الانفرادي في مزرعة معزولة الحصول على جهاز لتعطيل التشويش؟
تزامن غريب
ربما يكون من قبيل المصادفة أو بطريق العمد أن تستعد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الذهاب إلى بكين لإجراء محادثات في غضون أيام قليلة من هروب غوانغتشينغ، ولكن الشيء المؤكد هو أن رجلاً ضريراً فرّ من الإقامة الجبرية في المنزل وسافر 300 ميلاً من دون الحصول على دعم بنظام متطور.
وأرجعت تقارير إخبارية غربية هروب غوانغتشينغ إلى طريق "سكك حديدية تحت الأرض" والذي يوجد بعيداً عن أنظار السلطات الصينية، لكن هناك القليل من الأدلة في هذا الصدد. وتشير تخمينات صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن "تعاطف الحرس" ربما ساعده في الهرب. ولكن في ظل الصعوبات التي تنطوي عليها هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر، دعونا نتفق على أن هذا الأمر ربما كان تدبيراً داخلياً، دون أن نفسر ذلك على أساس وجود شخص متعاطف.
تقف الصين عند مفترق طرق. فالقيادة يجري تمريرها من جيل إلى آخر، و القيادة الإصلاحية حريصة على ضمان استمرارية برنامج التحديث، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الغرب، واستقرار حكم الحزب الواحد.
إلا أن النهج الأوليغارشي الذي أسسوه يتعرض للتهديد من عدة أوجه رئيسية، بما في ذلك شبكة واسعة من الفساد وعدم المساواة المتزايدة في المجال الاقتصادي التي تميز المجتمع الصيني في حقبة ما بعد ماو.
وشكّل زيلاى تهديداً مباشراً للنظام من خلال تعقب المافيا الصينية وحلفائهم من المسؤولين الصينيين، وليس ذلك فحسب، بل هو عمد إلى إثارة الخوف في قلوب القيادة من خلال استحضار الروح الماوية، التي تعني بالمقاييس المعاصرة أنه أذكى نيران القومية الصينية، وهي قوة أيديولوجية تهز سطوة "الإصلاحيين" في عقر دارهم. وباختصار، كان لا بد أن يرحل زيلاي.
حيث حملت الأحداث التي أدت إلى فضيحته واختفائه كل السمات الدالة على أن الأمر جرى في إطار مكيدة مدبرة، لا سيما أن وسائل الاعلام الصينية والغربية لعبت بعد ذلك دوراً في تصويره على أنه الشرير. وهذه هي المرة الوحيدة التي تتتلاقى فيها صحيفتا "وول ستريت جورنال" الأميركية و "بيبلز داي" الصينية عند نقطة مشتركة.
صراع القوى
تسرد صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في السطور التالية رأياً حول الصراع على السلطة، رغم أنه مكتوب بأسلوب خبري صريح، إلا أنه مليء بالقرائن الدالة على هوية الأخيار والأشرار:
"إن عائلتي زي و بو عبارة عن صور طبق الأصل للقادة الشيوعيين. فقد كان والد زي، وهو زي زونغكسون، بطلاً ثورياً تعرض للتطهير السياسي خلال الحملات التي شنها ماو الذي أنهى مسيرته كواحد من المصلحين المفضلين لدينغ زياوبينغ. أما والد بو، وهو بو يي بوه، فقد تعرض أيضاً للتطهير وعاد إلى السلطة، لكنه عرف بسمعته بين نخب الحزب باعتبار أنه خائن". ووفقاً لوصف "نيويورك تايمز"، يبدو أن حفيد "الخائن" قد ورث والده من حيث الشخصية "المدوية والكاريزمية".
وحقيقة أن وسائل الإعلام الغربية تتعاون مع الحزب الشيوعي الصيني في حملة دعائية ضد عائلة منشق بارز هي حقيقة مذهلة و آثارها مثيرة للاهتمام. و يرجع ذلك إلى أن الأوليغارشيين "الإصلاحيين" في الصين يتحالف مع الغرب في محاولة لوقف تصاعد حالة النقمة ضد حكمهم، وأيضاً إثراء أنفسهم في هذه العملية.
كان نيل هيوود، وهو البريطاني الذي اتهمت زوجة زيلاي بقتله بالسم، شخصاً مبهماً للغاية وتربطه علاقات مع أجهزة الاستخبارات البريطانية. أما مسألة أن زيلاي أغضبهم، بطريقة أو بأخرى، فهي مؤكدة تقريباً، ذلك أن الإعلان عن أن شركة "شل رويال" الهولندية، التي لها علاقات مع رعاة هيوود في بريطانيا، كانت قد وقعت اتفاقا مشتركاً غير مسبوق مع الحزب الشيوعي الصيني لإنتاج النفط من الصخر الزيتي فقد جاء بعد أيام من سقوط زيلاي.
