بعد فوز الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق ليندن جونسون على منافسه باري غولدووتر في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 1964، تقلص الحزب الجمهوري العظيم سابقا إلى مجرد حزب إقليمي من الموالين. وفاز الديمقراطيون بأغلبية ساحقة في مجلسي النواب والشيوخ، واستخدموا فوزهم لتمرير تشريع المجتمع العظيم لجونسون، وفي أثناء ذلك ظل الجمهوريون يتعاركون بعد تعرضهم للحملة الانتخابية الأكثر تشتيتا لهم في التاريخ السياسي الحديث. وألقى المعتدلون باللائمة على أراء غولدووتر اليمينية التي تسببت بانشقاق ملايين الناخبين الجمهوريين.
ولإعادة بناء الحزب، تكاتف عدد من حكام الولايات المعتدلين من الجمهوريين لتشكيل جمعية الحكام الجمهوريين، لتمثل ثقل موازن لاللجنة الوطنية للجمهوريين التي استولى عليها محافظو غولدووتر. وبعد فترة وجيزة من الانتخابات، أصدرت جمعية الحكام الجمهوريين بيانا برعاية حاكم ولاية ميتشغان جورج رومني وغيره من القادة المعتدلين، يدعو إلى حزب جمهوري اكثر شمولا وينتقد حملة غولدووتر.
وكتب رومني محذرا من استقطاب سياسي أوروبي، فقال: إن الأحزاب الأيديولوجية الديماغوجية تميل إلى تمزيق النسيج السياسي والاجتماعي للشعب الأميركي، وما هو أسوأ من ذلك فإن الأحزاب السياسية ذات البرامج الأيديولوجية الثابتة تتسبب بأزمة حكومية وطريق مسدود، وتحبط التسويات الضرورية للحفاظ على الحرية ولتحقيق التقدم في الغالب.
وتبدو كلمات رومني تلك في هذه الأيام ذات بصيرة بصورة خاصة، حيث أدى الاستقطاب السياسي إلى توقف الحكومة الأميركية عن أداء مهامها. لكن ماذا سيكون رأي رومني الأب، الذي توفي في عام 1995، في تبني نجله مواقف محافظة اكثر تقليدية، من صنف السياسات التي أثارت مخاوفه لكونها تدمر البلاد؟
بدأ مت رومني حياته السياسية إلى حد بعيد في قالب معتدل. وفي عام 1994، بعد ترشحه لنيل مقعد في مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ماساتشوستس مكان الليبرالي الديمقراطي تيد كندي، شدد رومني على انه كان مستقلا سياسيا خلال سنوات رئاسة ريغان. وفي الوقت الذي كان المرشحون الجمهوريون يحتشدون على امتداد البلاد حول وثيقة العقد مع أميركا للنائب نيوت غنغريتش من أيام فترة ريغان، فان رومني نأى بنفسه عنها.
وهزيمة رومني في تلك السنة لم تخفف من نبضه المعتدل. خلال معركة الترشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري عام 1996، نشر إعلانات في الصحف في نيوهامبشاير تنتقد دعوة المرشح ستيف فوربس لفرض ضريبة ثابتة، ساخرا منها بانها تخفيض ضريبي لقطط سمان, وكمرشح لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس عام 2002، هزم رومني منافسا ديمقراطيا ضعيفا من خلال الترويج لمواقف من النوايا الحسنة التي تتصف بالاعتدال.
لكنه كمرشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري في عام 2008، والآن في عام 2012، تحول رومني بشكل حاسم إلى اليمين، متبنيا الإجماع الحزبي الرافض للضرائب، ومتخذا مواقف اكثر تشددا حول الإنفاق على برامج الاستحقاق وغيرها. وكان حريصا على تجنب أي عملية التفاف عليه لناحية اليمين من منافسيه الأخرين في الحزب الجمهوري مهاجما غنغريتش وحاكم تكساس ريك بيري لانهما ليسا صارمين بما فيه الكفاية حيال مسألة الهجرة.
كما أشاد بمعارضة الجمهوريين الشرسة في مجلس الشيوخ لأجندة الرئيس الأميركي باراك أوباما المحلية، مبتعدا عن لهجة اكثر تهذيبا كانت تتسم بها حملاته السابقة، واصفا الرئيس برأسمالي المحسوبية وقاتل الوظائف والذي ستسمم سياسته روح أميركا نفسها، وتحول دون قيامنا أمة واحدة تحت أنظار العناية الإلهية.
قضايا الالتزام
حاليا، تعد الأيديولوجية المهيمنة على الحزب الجمهوري وأسلوب الحزب أمران غريبان كليا عن رومني الأب. في كتابه الحكم والخراب يعطي المؤرخ جوفري كاباسرفيس شهادة حية للمعارك الأيديولوجية الضارية التي شكلت الحزب الجمهوري ما بعد الحرب، واصفا جورج رومني بالأمل الأخير لنهج جمهوري معتدل أوشك على التلاشي.
انقسامات الجمهوريين
وكانت الخلافات التي اشتعلت في أواخر الستينات حول قضيتي العرق وحرب فيتنام قد أدت إلى انقسامات ليس فقط بين ما يسمى اليسار الجديد الراديكالي ومؤسسات الليبراليين الديمقراطيين، بل أيضا في صفوف الجمهوريين. المحافظون من تلك الحقبة وجدوا انفسهم يدافعون عن المثل التي تأسست عليها أميركا ضد الشيوعية في الخارج والراديكالية في الداخل.
أما المعتدلون، على نقيض ذلك، فقد سعوا إلى تحديث الحزب الجمهوري، في سبيل اللحاق بالمشاعر المتحولة لأبناء جيل الستينات والسبعينات حيال القضايا الاجتماعية وللمشاركة في تبنيهم لمجتمع اكثر تنوعا وديناميكية، والبعض منهم حتى أشاد ربما عن سذاجة، بما شاهده من روح محبة للحرية داخل حركة مناهضة الحرب.
لكن كما يقول كاباسرفيس، فان المعتدلين لم يتجمعوا في حركة ببرنامج وأيديولوجية متماسكين، على الرغم من محاولات ديوايت ايزنهاور المبكرة لبناء حزب حديث يتبنى برنامج العقد الجديد ورؤية قيادية أميركية مسؤولة للعالم.
وهذا الفشل ترك الجمهوريين المعتدلين في موقع حرج، فأولئك الذين شاركوا في الإيمان الديمقراطي بحكومة نشطة تقيده رغبتهم في اللامركزية والصرامة المالية، وجدوا انفسهم يتجهون إلى اليسار. أما أولئك الذين شاركوا في التشكيك المحافظ بدور الحكومة المتضخمة، فقد تلطف موقفهم من خلال إقرارهم بأن الضمان الاجتماعي وبرامج ميدكير وجدا ليبقيا، ووجدوا أنفسهم يتجهون نحو اليمين. ولم يكن هناك جامع لإبقاء هذين الجانبين متماسكين. وفي نهاية المطاف يقول كاباسرفيس، إن هذا العيب في التماسك هو الذي قضى على الوسطية في الحزب الجمهوري.
وساهم غياب أيديولوجية صارمة في تحرير المعتدلين ودفعهم لتبني حلول خلاقة لقضايا اجتماعية ناشئة، أثبتت صحتها عندما تولوا السلطة، لكن تحديدا لم يكونوا ميالين لشن حملات صاخبة ضد أعدائهم السياسيين نظرا لأنهم كانوا متحسسين جدا من الأيديولوجية.
غير أن الأميركيين بعد فيتنام وووترغيت كانوا تواقين لسياسيين بقناعات واضحة، وهذا كان صحيحا بالنسبة لليسار، وبشكل اكبر بالنسبة لليمين. وفي الستينات، كان هذا يعني عدم الاعتراف بالصين الشيوعية، أما اليوم، فبات يعني عدم فرض ضرائب جديدة.
وبلا شك تقلص فإن مثل تلك الالتزامات تقلص قدرة السياسي على المناورة، وتجعل أي تسوية قانونية اكثر صعوبة، ان لم تكن مستحيلة. لكن الالتزامات السياسية، من جهة أخرى، تعزز المساءلة الديمقراطية التي تشكل موضع تقدير بالنسبة لكثير من الناخبين لا سيما المثقفين منهم. وقد يثير المشهد السياسي اليوم حالة من الإحباط لدى أولئك التواقين للبراغماتية وللتعاون بين الحزبين، إلا انه ما لا شك فيه فان الحزبين الديمقراطي والجمهوري يمثلان أولويات ورؤى متمايزة.
أتباع كونالي
ينتقد كاباسرفيس إلى حد كبير حركة المحافظين التي انتصرت، أخيرا، داخل الحزب الجمهوري، وتذمره الرئيسي يتعلق بالفارق بين ما كان يتفوه به المحافظون وكيفية إدارتهم للحكم.
وعلى المستوى الفيدرالي، أذعن المحافظون عموما للإنفاق المتزايد رافضين في الوقت نفسه فرض ضرائب عالية تكفي لتغطية هذه النفقات. وكان هذا في واقع الحال اقتراحا جذابا سياسيا برهن على أنه مدمر ماليا.
وكان الجمهوريون المعتدلون ضمن أولئك الأكثر تفهما لمخاطر هذا النفاق والرياء. وفي أواخر الستينات، تنبأ عدد من الجمهوريين المعتدلين، بأن حزبا جمهوريا جنوبيا، مشكلا من انصهار توجهات محافظة وشعبوية، ستكون له شهية هائلة لدعم فيدرالي على شكل إنفاق دفاعي وعلاوات نفطية ودعم زراعي، ويشير كاباسرفيس إلى أن شهية المحافظين للإنفاق الفيدرالي ازدادت شرها في العقود التالية.
وقد صادق نيكسون بصفته رئيسا للبلاد على صعود نهج محافظ داعم لحكومة متضخمة بتعيينه الحاكم الديمقراطي السابق لتكساس، جون كونالي، وزيرا للخزانة في عام 1971.
وفيما كان الجمهوريون المعتدلون والمحافظون ميالين لتفضيل اللامركزية في السلطة والأسواق التنافسية والمبادرات الخاصة، فان كونالي كان يمثل طينة مختلفة. كان صقرا في السياسة الخارجية ومحافظا على التقاليد، لكنه كان أيضا مدافعا عن الدعم والاقتطاعات الضريبية لقطاع الدفاع ومصالح الطاقة، وهذا أدى إلى ازدهار مناطق في الجنوب سنبلت، وأغنى المئات إن لم يكن الألوف من المحافظين الأغنياء.
وعلى الرغم من أن كونالي لم يرتق أبدا إلى آمال نيكسون العريضة، إلا انه ساعد في إدخال جيل من السياسيين الجنوبيين في الولايات إلى الحزب الجمهوري، وكان هؤلاء تواقين لتحويل الدولارات الفيدرالية في سبيل رعاية مصالح في مناطقهم.
ولا زال كونالي يلقي بظلاله على الحزب، ويمكن ان يرى المرء، على سبيل المثال، عندما ينفق حاكم محافظ مثل بيري ملايين من دولارات دافعي الضرائب على برنامج صندوق التكنولوجيا الناشئة، وهو برنامج كان يمكن لمؤيد اكثر التزاما بالسوق الحرة، أن يرفضه باعتباره تدخلا غير مقبول في القطاع الخاص.
جمهوريون كوناليون
وقد يكون وزير خزانة نيكسون ترك علامة فارقة على الحزب الجمهوري أكثر من أي اقتصادي آخر. وبعد عقود من التأييد الجمهوري لإجراءات دعم بعض الصناعات المفضلة من الدفاع إلى النفط والغاز إلى بناء منازل سنبلت، فإن أحد الساخرين قد يقول إن الجمهوريين باتوا جميعهم كوناليين الآن.
وتعاني جهود إصلاح الحزب الجمهوري الحالية من ضعف أساسي، فالمحافظون من خلال إقامتهم الحجة ضد الحكومة ودولة الرفاه، قوضوا مصداقيتهم كأبطال إصلاح.
ولا شك في ان الاعتماد على خطاب معاد للحكومة أوجد فراغا يثير القلق في قلب المشروع المحافظ، وحركة حزب الشاي اليوم وحالة الرفض التي تمثلها تدركان التصورات العامة لحزب جمهوري ما بعد مرحلة بوش. ويصح القول انه لسنوات عدة كان الجمهوريون في الكونغرس مترددين كثيرا حيال بعض القضايا مثل الإصلاح الضريبي والرعاية الصحية، وهذا النوع من القضايا استهلك الجمهوريين المعتدلين في حقبة سابقة، ذلك لأن المحافظين كان ينظرون إليها باعتبارها طريقا مسدودا سياسيا وفكريا.
لكن الآن تقدم بعض الجمهوريين، بقيادة الممثل الجمهوري عن ولاية وسكنسون بول ريان، بعدد من الاقتراحات المهمة بما في ذلك إصلاح شامل لميدكير، وتوسيع قاعدة نطاق الضريبة. وأظهر رايان انفتاحا لأفكار الوسط السياسية المعتدلة المعلنة من الحزبين، وحتى لزيادة الإيرادات الضريبية.
وفي الوقت نفسه تقريبا، فان الجمهوريين في الكونغرس واجهوا تراجعا سياسيا حادا في المواجهة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما حول قضية تمديد الخفض المؤقت لضريبة الرواتب، وقد ولدت سياسة حافة الهاوية للجمهوريين، والتي كانت قد هددت بالفوضى خلال معركة زيادة سقف الدين، ازدراء شاملا من الناخبين.
ويحتاج الجمهوريون المحافظون إلى استعادة قدرة المعتدلين على الإبداع وعلى الدفع باتجاه إيجاد الحلول للمشكلات، إذا كانوا يأملون في يوم من الأيام باستلام السلطة، والتمسك بها وإدارة الحكم بفعالية.
