أدت القراءة الخاطئة المتعمدة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، إلى عملية فجر أوديسا ضد ليبيا من قبل حلف الـناتو السنة الماضية، مع أن العملية كان يمكن توقعها. وقد أودت الحملة بألوف عدة من الأرواح ودمار لا يوصف، ليس هذا فحسب، وإنما فتحت الطريق أمام صراع دائم أيضا، ليس فقط في ليبيا، بل على امتداد منطقة شمال إفريقيا.

وكانت مالي الضحية الرئيسة الأولى لتدخل الـناتو في لبيبا، وهي الآن محط أنظار الأخبار الدولية، وتشكل عناوين الصحف مثل الفوضى في مالي تذكيرا بالفوضى الأعم في إفريقيا.

في 17 مارس 2011، حسم القرار 1973 موضوع تشكيل منطقة حظر طيران فوق ليبيا. وفي 19 مارس، قامت قاذفات الـناتو بإحراق الأراضي الليبية على افتراض منع مجزرة بين المدنيين. وفي اليوم التالي، اجتمعت لجنة خاصة رفيعة المستوى للاتحاد الإفريقي بشأن ليبيا في نواكشوط عاصمة موريتانيا، وأطلقت مناشدة أخيرة يائسة طالبت فيها بوقف فوري لحرب الـناتو على ليبيا، جاء فيها: رغبتنا هي احترام وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، ورفض أي نوع من التدخل العسكري الأجنبي.

 

دور الناتو

وأعضاء الاتحاد الإفريقي مع افتقارهم لجهود تحدي المهام الحربية للـناتو بشكل فعال في إفريقيا، إلا أنهم كانوا واعين تماما ان الـناتو نادرا ما تهمه قضايا حقوق الإنسان أو رغد الحياة في الدول الافريقية. ولقد ادركوا أيضا ان عدم الاستقرار في دولة افريقية واحدة يمكنه ان يشيع حالة من عدم الاستقرار على امتداد المنطقة. ومناطق مختلفة في شمال إفريقيا هي مدمجة سويا بتوازن دقيق، بسبب الإرث الاستعماري الفوضوي، ومالي لا تشكل استثناء عن هذه القاعدة.

يسأل دان مورفي في صحيفة كريستيان ساينس مونتور الأميركية: هل يعود هذا إلى خطأ اقترفه الـناتو؟ ، ويجيب عن هذا السؤال قائلا: ليس تماما، لكن قانون التبعات غير المقصودة يبرز كما درجت العادة. وفي هذه الحالة، فان الانتفاضة الشعبية الناجحة ضد نظام معمر القذافي في لبيبا، التي تلقت دعما قويا من القوة الجوية لأعضاء حلف الـناتو، أودت بمالي إلى الفوضى، وهذا الوضع لا يسعد فرنسا ولا أميركا، أهم الداعمين للحرب ضد القذافي.

 

إخفاق تام

قد يكون من المبكر جدا الحديث عن فائزين أو خاسرين في حالة الإخفاق التام في مالي، والذي كانت شرارتها الانقلاب العسكري الذي قاده الكابتن في الجيش أمادو سانوغو في 22 مارس الماضي، قبل ان يتنازل بعد تسوية قضت باستقالة الرئيس أمادو توري. لكن الانقلاب العسكري أوجد ذريعة سياسية لقيام الحركة الوطنية لتحرير أزواد، التابعة لمتمردي الطوارق، بإعلان الاستقلال في الشمال بعد مرور أسبوعين فقط على الانقلاب. والإعلان كان تتويجا لمكاسب عسكرية سريعة من قبل الحركة وحلفائها المتشددين تمثلت باحتلال مدينة غاو وبلدات رئيسة أخرى. وهذا التطور الناجح عزز من قوة مجموعات إسلامية ومجموعات متشددة أخرى للاستيلاء على مدن في البلاد.

وقد أفيد ان مجموعة انصار الدين، على سبيل المثال، عملت جنبا إلى جنب مع الحركة، إلا أنها ما لبثت أن أعلنت الحرب على الاستقلال ما ان ضمنت لنفسها السيطرة على تمبكتو.

ومزيد من الأسلحة والمجموعات تتدفق الآن عبر الحدود مع موريتانيا والجزائر والنيجر، ويمضي تنظيمي التوحيد والجهاد والقاعدة في المغرب الإسلامي بتحركاتهما في أنحاء مالي، وإقامة تحالفات وإنشاء إمارات جديدة، مما يجعل مالي مسرحا محتملا لصراعات دائمة. يسأل غريغوري مان في مقالة نشرت في مجلة فورين بوليسي: هل خسرت مالي تمبكتو لان الـناتو أنقذ بنغازي؟ ولا يمكن إنكار انه نتيجة للحملة الليبية، فان تمردا أشد قوة كان يمكن توقعه في صحراء مالي، ليس هذا فحسب، وإنما كان وشيكا.

ويقول المبعوث الإقليمي السابق إلى الأمم المتحدة روبرت فاولر في صحيفة غارديان: مهما كانت دوافع المتحاربين الرئيسين في الـناتو في خلع القذافي، فان قانون التبعات غير المقصودة يكبد مالي خسائر فادحة اليوم، وسيستمر في ذلك على امتداد الساحل حيث مخازن هائلة من الأسلحة الليبية تنتشر عبر أكثر مناطق العالم افتقارا للاستقرار.

ومع الأخذ في الاعتبار أن حتمية عدم الاستقرار ما بعد الحملة الليبية كان واضحا، فما هي أسباب الإصرار على اللجوء إلى هذا القانون؟ وحتى الفوضى تتمتع بمنطق خاص بها. ولسنوات عدة، خصوصا منذ تشكيل قيادة الولايات المتحدة الإفريقية أفريكوم في عام 2008، حصلت تدخلات كثيرة في أجزاء مختلفة من إفريقيا.

ولقد حاول مان في مجلة السياسة الخارجية طمس واقع أن سانوغو، قائد الانقلاب العسكري في مالي تلقى تدريبا عسكريا أميركيا، وقال إن: مثل هذه التفاصيل هي اقل أهمية من فشل الاستثمار الأميركي في تدريب القوات الخاصة والتعاون مع الجيوش السواحلية وبرامج محاربة الإرهاب، في منع اندلاع كارثة جديدة في الصحراء في أفضل الأحوال، أو ما هو أكثر سوءا في زرع بذورها.

والتفاصيل تعد أكثر أهمية، إذا أخذنا في الاعتبار أن سانوغو طالب بتدخل عسكري دولي ضد جمهورية الطوارق مشيرا إلى أفغانستان كمثال.